موضوع | January 21, 2026 |
مقالات
بعد نشر حلقات عن الشهيد براهيم الصالح كأحد ابطال مجموعة ال66، رأيت أنه من المفيد الحديث عن مجموعة 66، لإن الكثير من الشباب لا يعرف عنها أي شيء. هم مجموعة من الرجال الخارقين للعادة الذين وقعوا في الأسر على مدى حرب التحرير الأولى من سنة 1975م إلى 1991م، وصمدوا في السجن إلى غاية 1996م. إن صمود مجموعة ال 66 في السجن لمدة طويلة، وصلت في بعض الأحيان إلى عشرين سنة، كان يهز أي صحراوي سمعه فخرا، وكان يجعله يهلل للبطولة وللشجاعة وللرجولة. أكبر دليل على بطولتهم إنهم كانوا أسرى عند الجيش المغربي الذي يبلغ عدد 200 ألف، وكان يقابلهم حوالي أربعة ألاف أسير مغربي عند الشعب الصحراوي.
مجموعة 66: فخر جيش التحرير الشعبي الصحراوي (الحلقة الأولى)
بعد نشر حلقات عن الشهيد براهيم الصالح كأحد ابطال مجموعة ال66، رأيت أنه من المفيد الحديث عن مجموعة 66، لإن الكثير من الشباب لا يعرف عنها أي شيء. هم مجموعة من الرجال الخارقين للعادة الذين وقعوا في الأسر على مدى حرب التحرير الأولى من سنة 1975م إلى 1991م، وصمدوا في السجن إلى غاية 1996م. إن صمود مجموعة ال 66 في السجن لمدة طويلة، وصلت في بعض الأحيان إلى عشرين سنة، كان يهز أي صحراوي سمعه فخرا، وكان يجعله يهلل للبطولة وللشجاعة وللرجولة. أكبر دليل على بطولتهم إنهم كانوا أسرى عند الجيش المغربي الذي يبلغ عدد 200 ألف، وكان يقابلهم حوالي أربعة ألاف أسير مغربي عند الشعب الصحراوي.
إن الحديث\ الكتابة عن تلك المجموعة كان يشغلني باستمرار، ومتأكد أنه شغل آخرين مثلي، لكن الشواغل والإكراهات كانت دائما متربصة في الطريق، تمنعنا من الكتابة عن تلك المجموعة وعن جيش التحرير وعن الملاحم الكبيرة التي صنع الصحراويون. إن صمود تلك المجموعة في السجن، وفي سجن مغربي بالأخص، هو نوع من الأسطورة. بسبب المتاعب وروتينها، بدأ الحماس عن الكتابة عن تلك المجموعة يفتر ويتلاشى بسبب ضغط الزمن، وكان يخبو يوما بعد يوم حتى وصل، في بعض المرات، إلى درجة اليأس ودرجة التخلي عن الفكرة نهائيا. فحين ييأس شخص من مشروع ما كان يشغل ذهنه لوقت طويل فإنه، غريزيا، لا يعلن الانهزام مباشرة، لكن يروح يحشد كل ما عنده من مبررات: إنه من الصعب الالتقاء بكامل أبطال مجموعة ال 66، بل من شبه المستحيل كتابة تجربتها وملحمتها في السجن لانها تتطلب، في بعض الأحيان، مجلدات وهذا في حد ذاته لا يمكن تصوره في ظل الظروف التي تحيط بنا وطاحونة الواقع التي تهزنا وتطحننا يمينا ويسارا.
في الأخير وبعد اليأس من الكتابة عن المجموعة كلها- مجموعة ال 66- توجه التفكير والتصور إلى الكتابة عن واحد منها، فربما تعزينا الكتابة عنه عن الهزيمة في عدم الكتابة عن المجموعة وربما، أيضا، يمكن سحب ذكرياته على المجموعة ككل وعلى كل المقاتلين، وفي مرحلة ثانية كنت أفكر هل يمكن أن نكتب عن إثنين أو ثلاثة.
حين كنت متحمسا للكتابة عن الجيش الصحراوي وملاحمه ورجالاته، بدأت كنت أسال عن أفراد مجموعة ال 66، وبالصدفة المحضة رمى الحظ بإثنين منهما في طريقي: براهيم ولد الصالح ولد حيمَّد المعروف "ببوليساريو"، وحبيب ولد المحجوب ولد لحويمد وفي وقت لاحق التقيت مع الأسطورة التاقي باهية الذي كان قدره أن يقع في الاسر مرتين . وبالصدفة المحضة فإن الشهيد براهيم ولد الصالح وحبيب ولد لحويمد كان – حسب شهادتهما وشهادة بعض رفاقهما- هما أكثر شخصين من المجموعة تم استجوابهما من طرف المغاربة: حبيب تم استجوابه لمدة عام وتسعة أشهر وإبراهيم تم استجوابه لعدة شهور نسى هو عددها لطولها( خمسة شهور أو ستة على الأقل).
توسيع سجن لقنيطرة "ليُسجن" فيه الجيش الصحراوي كله
قبل أن يحتل المغرب الصحراء الغربية، قام بعملية توسيع وترميم للكثير من سجونه الكبيرة. كان في استراتيجيته أن يقوم بسجن أكثر عدد من الصحراويين إذا رفضوا احتلاله للصحراء الغربية. فطبقا لحساباته فإن كل سجونه الكبيرة هي كفيلة بابتلاع جميع الصحراويين وإلى الأبد. فحسب الإحصاءات المغربية فإن الصحراويين لا يتعدون "أربعين ألفا" وهذا العدد غير كافي ليقاوم.
من بين السجون التي تم ترميمها لحبس المقاتلين الصحراويين، كان سجن لقنيطرة.هو ليس بسجن؛ هو مقبرة جماعية كبيرة للموتى الأحياء، مبنية من الصخور والأسمنت القوي منذ عهد فرنسا. قبل غزو الصحراء الغربية عسكريا من طرف المغرب بشهور، تم ترميم وتوسيع سجن لقنيطرة. كان المغاربة يظنون أنهم، في أيام فقط، سيأسرون كل المقاتلين الصحراويين وسيجعلونهم يقضون حياتهم في السجن عقابا لهم على قتالهم للقوات المغربية ووقوفهم في وجهها. فالمغاربة، حسب ما اعتقدوا، كانوا يظنون أن عناصر بدوية، غير مدربة ولا مسلحة ستقع بسرعة في أيديهم في مدة وجيزة. السؤال المطروح آنذاك في الأوساط العسكرية كان يدور حول أين يمكن أن يتم حبس الجيش الصحراوي إذا تم أسره؟ وحتى يستوعب سجن لقنيطرة "جيشا" كاملا من الصحراويين سيتم القبض عليه، أضيفت إليه زنزانات جديدة وأجنحة جديدة. فحسب بعض المعلومات تم ترميم السجن وتوسيعه كي تتم فيه معاقبة خمسة ألاف من مقاتلي البوليساريو بعد القبض عليهم. ربما كان تصور السلطة في المغرب أن جيشهم سيتمكن، في أيام فقط، من القبض على كل ثوار البوليساريو وسجنهم في ذلك السجن. لكن بدل أن يتم فيه سجن جيش البوليساريو تم سجن ومعاقبة فيه عناصر الجيش الملكي فقط. فالذين رفضوا المشاركة في حرب الصحراء أو تهربوا عنها أو فروا، والذين رفضوا التطوع وعصوا الأوامر، وهم كثر، تمت معاقبتهم في سجن لقنيطرة. كانوا بالآلاف، وتم حشرهم في السجن المذكور للانتقام منهم وجعلهم، بالوقت، يموتون موتا بطيئا يصارعونه دقيقة، دقيقة وثانية، ثانية.
لكن إذا كان الذين رفضوا، في البداية، التجنيد في حرب الصحراء، خوفا من الموت، قد تم سجنهم في سجن لقنيطرة المرعب، فإن هناك فئة أخرى من الجنود ممن شاركوا في حرب الصحراء قد أضيفوا إليهم. فبعد انقشاع ضباب الدعاية، ودخان الأكاذيب التي كان النظام المغربي يطلقها هنا وهناك، أكتشف الجيش المغربي الحقيقة السافرة: لا يوجد ذهبٌ في الصحراء الغربية، والحرب التي قال لهم القصر أنها نزهة أسبوع أصبحت ورطة حقيقية. لم تتم أيضا ترقيتهم ولم يتم رفع مرتباتهم وتبخرت كل الأحلام في رمال الصحراء. أكتشف الجيش المغربي الذي توغل في الصحراء أنه لا يوجد أي شيء من الوعود التي سمعوا بها، وكل ما هنالك هو الموت والرمال والحرارة والبرد. فبعد الهزائم الكثيرة التي مُني بها الجيش المغربي على يد المقاتلين الصحراويين، وبعد أن شاهد الجنود المغاربة الموت بأم عينيه، أصبحوا يفضلون الذهاب إلى سجن لقنيطرة من البقاء في الصحراء يواجهون الموت كل لحظة. ففي كل مكان من الصحراء كان الموت يكمن فيه. فالإغارات لا تتوقف، والأقصاف تحدث كل يوم والهجمات المباغتة، خاصة في الليل، تثير الفزع في نفسية الجندي المغربي المحطمة أصلا. وزاد الأمر تعقيدا بناء الأحزمة الرملية "الدفاعية" في الصحراء. كان الضباط المغاربة يتصورون أنه بمجرد بناء الجدار الدفاعي سيتوقف كابوس الحرب، لكن العكس هو الذي حدث: أصبح الجيش المغربي أهدافا ثابتة معروفة ويمكن مهاجمتها في أي وقت وبأي نوع من الأسلحة الدقيقة.. إن التواجد يوميا خلف الحزام الرملي وسقوط القذائف العشوائ والتعرض المستمر للموت وفقدان النوم أرهق أعصاب الجنود وباتوا يتمنون الجحيم ولا البقاء وراء الجدار. بدأ التمرد والعصيان، وأصبح الجنود والضباط يبحثون عن أي سبب يبعدهم عن جحيم التواجد اليومي في الحزام الرملي ينتظرون الموت. البعض انتحر والبعض أصبح يستغل وقت الهجمات الصحراوية ليطلق النار على نفسه ويدعي أنه جُرح ليذهب إلى المستشفى. بالنسبة لهؤلاء، وهم كثر، كان إطلاق النار على البطن أو الرِّجل أو الفخذ أرحم بكثير من البقاء في الحزام. ولم يكونوا فقط يطلقون النار على أنفسهم، لكن من جهة أخرى، كانوا يُصفُّون حساباتهم مع الضباط الذين يحقدون عليهم. كان حتى بعض الجنود يقومون برشوة الضباط كي يبعثوهم، ليس إلى الخلف، ولكن إلى سجن لقنيطرة. فحين لم يقبضوا على أي مقاتل صحراوي أصبحوا يبعثون إلى سجن لقنيطرة كل الذين قاموا بمخالفة في الجبهة الأمامية، أو رفضوا الأوامر. فبدل إن يمتلئ سجن لقنيطرة بالمقاتلين الصحراويين الأسرى امتلأ، وعن أخره، بالجنود المغاربة. يتبع
السيد حمدي يحظيه
