-->
وكالة الانباء المستقلة | سبتمبر 27, 2026 |

قراءة: واشنطن تبحث عن تسوية.. والبوليساريو تتمسك بحق تقرير المصير

  



تكشف التطورات الأخيرة في مسار تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية عن مفارقة سياسية واضحة، حيث ان جبهة البوليساريو لا ترفض المشاورات التي تقودها الولايات المتحدة، لكنها ترفض أن تتحول هذه المشاورات إلى مسار لفرض نتيجة مسبقة على الشعب الصحراوي.

ففي رسالته إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، جدد الرئيس الصحراوي والأمين العام لجبهة البوليساريو إبراهيم غالي استعداد الجبهة للدخول في مفاوضات مباشرة وبحسن نية مع المغرب، تحت رعاية الأمم المتحدة، بهدف الوصول إلى حل عادل وسلمي ودائم ونهائي يضمن للشعب الصحراوي ممارسة حقه في تقرير المصير. 
وهذا يعني أن الباب أمام التفاوض لم يُغلق من جانب البوليساريو، وإنما إن شروط التفاوض ومرجعيته ونتيجته النهائية هي موضع الخلاف. 

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء تصريحات مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، الذي أقرّ في مقابلة مع فرانس 24 بأنه لا يوجد في الوقت الراهن حل وشيك للنزاع في الصحراء الغربية، وأن واشنطن لا تزال منخرطة في التواصل مع جبهة البوليساريو، بانتظار ملاحظاتها بشأن المقترح المغربي. 
كما أشار إلى أن الجولات التي جمعت ممثلين عن الأطراف المعنية لم تفضِ حتى الآن إلى تسوية نهائية. 

وهنا تظهر إحدى أهم دلالات المشهد الراهن، في ظل وجود اتصالات أمريكية مباشرة مع جبهة البوليساريو ما يعني عملياً أن أي مسار تفاوضي لا يستطيع تجاوز الطرف الصحراوي أو التعامل مع موقفه باعتباره تفصيلاً ثانوياً. 
فحتى مع اعتماد مجلس الأمن في القرار 2797 لعام 2025، نص القرار نفسه على أن الهدف هو الوصول إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الطرفين، يوفر تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية. 

ومن هنا، فإن قراءة تصريحات بولس باعتبارها إقراراً أمريكياً بفشل مقترح الحكم الذاتي واخفاق واضح في تحقق تسوية على أساس المقاربة الأمريكية الحالية.

البوليساريو: المشاركة في الحوار لا تعني التنازل عن المرجعية

الموقف الذي عبّر عنه الرئيس ابراهيم غالي يضع ثلاثة خطوط واضحة أمام المسار التفاوضي.
أولاً: لا رفض للمفاوضات، حيث ان جبهة البوليساريو تؤكد استعدادها للحوار المباشر مع المغرب تحت رعاية الأمم المتحدة، وهو ما ينفي أي قراءة تعتبر أن البوليساريو اختارت الانسحاب من العملية السياسية.

ثانياً: لا قبول بحل مفروض مسبقاً.
رسالة الرئيس الصحراوي الى الامين العام للأمم المتحدة تؤكد رفض «أشباه الحلول» التي يمكن أن تضفي شرعية على الاحتلال أو تتجاوز تطلعات الشعب الصحراوي، وهذا يتطابق مع الموقف الرسمي للجبهة، أعيد التأكيد عليه في سبتمبر، بأن أي حل لا يمكن فرضه بالقوة. 

ثالثاً: تقرير المصير والاستقلال يظلان في صلب موقف جبهة البوليساريو.
فالرئيس الصحراوي لا يقدم القضية باعتبارها مجرد نزاع إقليمي حول صيغة للحكم، وإنما باعتبارها قضية تصفية استعمار، ويطالب بأن يكون الحل قائماً على تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير المصير والاستقلال. 
كما دعا الأمم المتحدة إلى الاضطلاع بمسؤولياتها تجاه الإقليم المدرج على قائمة الأقاليم الخاضعة للاستعمار.

ماذا تعني الاتصالات الأمريكية؟
المفارقة الأساسية أن واشنطن تتحرك الآن داخل مساحة سياسية أكثر تعقيداً من مجرد طرح مبادرة استعمارية مغربية ثم انتظار قبولها.

فالقرار 2797 الذي صاغته الولايات المتحدة وأقره مجلس الأمن في أكتوبر 2025 جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات، لكنه أبقى في الوقت نفسه على هدف الوصول إلى حل «متوافق عليه» وعلى مبدأ تقرير المصير وبالتالي، فإن المهمة الأمريكية الحالية تبدو أقرب إلى محاولة تضييق الفجوة بين مرجعيتين متعارضتين: مرجعية أمريكية تقول إن مقترح الحكم الذاتي هو أساس التفاوض، ومرجعية جبهة البوليساريو تقول إن أي نتيجة نهائية يجب أن تضمن للشعب الصحراوي حق تقرير المصير والاستقلال.

وهذا يفسر لماذا تبدو تصريحات بولس مهمة رغم أنها لا تتضمن إعلاناً عن تغيير الموقف الأمريكي، فاعتراف المسؤول الأمريكي بأن الحل ليس قريباً أو ملموساً، مع تأكيد استمرار التواصل مع البوليساريو، يعني أن واشنطن نفسها تتعامل مع وجود عقبة تفاوضية لم يتم تجاوزها بعد. 

الرسالة الأهم من موقف البوليساريو
يمكن تلخيص موقف الجبهة في معادلة سياسية واضحة:
نعم للمفاوضات، لا للتنازل المسبق؛ نعم للحوار المباشر، لا لفرض نتيجة مسبقة؛ نعم لمسار أمريكي–أممي، بشرط ألا يتحول إلى بديل عن إرادة الشعب الصحراوي.
وهذا ما يجعل الاتصالات الجارية مختلفة عن مجرد اتصالات بروتوكولية. فالبوليساريو دخلت الاجتماعات الوزارية غير الرسمية التي ترأستها الأمم المتحدة والولايات المتحدة في يناير وفبراير 2026، وقدمت أفكارها ومقترحاتها، لكنها لم تعتبر مشاركتها موافقة على المقترح المغربي.
وبذلك، فإن استمرار واشنطن في التواصل مع الجبهة، بعد عدة جولات من المشاورات، يعكس حقيقة سياسية أساسية: لا تزال موافقة الطرف الصحراوي وموقفه من طبيعة الحل عنصراً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية نهائية.
 فالمتاح من التصريحات يشير إلى استمرار الموقف الأمريكي الداعم للاحتلال، بالتزامن مع الاعتراف بعدم إحراز اختراق نهائي. 
فالمشهد الحالي لا يشير إلى نهاية المسار الأمريكي، بل إلى دخوله مرحلة اختبار حقيقية، واشنطن تستطيع طرح إطار تفاوضي، وممارسة الضغط الدبلوماسي، وجمع الأطراف حول طاولة واحدة، لكنها تواجه سؤالاً مركزياً: كيف يمكن الجمع بين اعتماد مقترح الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات وبين اشتراط الوصول إلى حل يحظى بقبول جبهة البوليساريو ويتوافق مع مبدأ تقرير المصير؟
ومن هذه الزاوية، تبدو رسالة الرئيس إبراهيم غالي إلى غوتيريش بمثابة تثبيت لشروط المشاركة الصحراوية: الجبهة مستعدة للتفاوض، لكنها لا تعتبر التفاوض تفويضاً للتنازل عن حق تقرير المصير، ولا ترى في المشاركة قبولاً مسبقاً بمخرجات يحددها طرف واحد.

ومع اقتراب انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية في 31 أكتوبر 2026 وفق القرار 2797، تدخل هذه الاتصالات مرحلة أكثر حساسية، خصوصاً أن مجلس الأمن ربط مستقبل العملية بنتائج المفاوضات والمراجعة الاستراتيجية للبعثة. 
وعليه، فإن واشنطن تستطيع أن تقود المشاورات، لكنها لا تستطيع أن توقع السلام نيابة عن الشعب الصحراوي.

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *