الأخطار التي تهدد التراث الثقافي الصحراوي (الجزء الاول)

الصحراء الغربية (وكالة المغرب العربي للانباء المستقلة)
الاستاذة عبيدة محمد بوزيد:
 في ظل تنامي المد البشري و الجغرافي لإفريقيا جنوب الصحراء و كذا الزحف الجارف للمستوطنين إبان حرب التحرير و ما حلفته المسيرة السوداء من أثار مدمرة و خطيرة على كينونة الإنسان الصحراوي.
من هنا فان التراث الثقافي الحساني بشكل عام و التراث الصحراوي بشكل خاص أصبح عرضة للضياع و الاندثار نتيجة عدة عوامل نصنفها في شقين داخلي و خارجي.
1_ العوامل الداخلية:
1/1: سياسات الدولة خلال حرب التحرير:
إن إنعكاف الجهود في البدايات الأولى لحرب التحرير على تأسيس الدولة الصحراوية و بناء الهياكل التنظيمية للإدارة الوطنية و تنظيم القواعد الشعبية، أدت إلى خلق أنماط معيشية جديدة لم يألفها الصحراويون ، إذ أن الإنسان الصحراوي الذي لم يألف الاستكانة أو الارتكان أصبح و بحكم اللجوء مقيد الحركة محدود الترحال مما أدى إلى اندثار عادات و ممارسات اجتماعية عديدة لتحل محلها أخرى لم يعتدها الصحراويون.
إذ أن بروز اديولوجية التحرر و كل من التنظيم و الهيكلة القاعدية الشعبية ضمن الإطار التنظيمي أفرز ثقافة متحركة لم تكن مألوفة في النسق الاجتماعي و لا الثقافي للصحراويين، فبعد ما اتسم الصحراويين برحابة المسكن إذ كانوا يعيشون إما فرادا أو في إطار "فرقان" ، إلا انه و رغم اجتماعهم فقد اتسمت الفرقان برحابة مساحتها و شساعة مراميها، فكانت الخيم لا تنصب بمحاذاة بعضها إما حياء أو طلبا للراحة و عدم التضييق، إذا بهم يعيشون ضمن مخيمات تتحاذى الخيم فيها لدرجة الالتصاق " الخالفة في الخالفة"؛ كما أن الطقوس و الممارسات الاجتماعية التي عادة ما تجسدها النساء في حياة البدو قد تلاشت ، بحكم دخول النساء الصحراويات إلى معترك التنظيم بدء باللجنة والخلية مرورا بالهياكل التنظيمية للجبهة إلى مؤسسات الدولة الصحراوية الأخرى و التي مثلت القاعدة النسوية اللبنة الأساسية لاستمرارية عطائها (التعليم ، الصحة،...(1)
كما لا يفوت أن نعرج على المجال الثقافي و ما شهده هذا الأخير من تغيرات على سمته في ما يخص الأدب الشعبي من شعر و أغنية و قصة...، فبعد ما اتسمت الشعر الحساني بالتغني على الأوكار و المساكن و الأراضي... ، انتقل إلى الشعر الثوري التحرري، إذ ولجت ميدان القصيد العديد من المسميات و المصطلحات التي لم مكن مألوفة في الشعر الحساني القديم.
*نموذج من الشعر الحساني القديم ، يتغنى على "حاسي"(2) أغيلاس:
سولي يكان اغيلاس حاسي مزال أتجيه الناس
سولي يكان لباس اغيلاس ألي نعرف كان
قالوا فيه الجدب لشماس يا لطيف و درس المرحان
هذي هي حالت يالناس الدنيا فمحل النقصان
ألي عاد اليوم أغيلاس مجدوب و لا عندو فرقان
*نموذج من الشعر الثوري الصحراوي(3):
يالي عن عهدك ما ترقد رمشت عين أعياد النضال
العشرين اجمعهم في أبلد و استعرضهم عاقب عقدين
قوم استعرض مؤسسات
الدولة و استعرض حياة
شعب أصيل أعطى فلذات أكباد و أظرف دمع العين
وأتحمل ظروف الماسات و الملجأ و اصبر ماهي مين
الحرب و ذلل معاناة عقدين من الكفاح الين
اكسب عطف و مساعدات العالم و أنزاد اليقين
الراسخ في النصر و لا فات غمظ عن عهد رمشت عين
يالي عن عهدك ما ترقد
كما لم تسلم الأغنية هي الأخرى من موجة التغيير إذ انتقلت من نمطيتها التراثية الشعبية : لشوار ، التبراع ... الى نسق الأغنية الحديثة ، لا من حيث الكلمات التي اتجهت في معظمها إلى الفصحى لآصال الرسالة الثورية التي ربما قد تكون اللهجة عائقا نسبيا في وصولها ، و لا من حيث الاقاعات الموسيقية التي هي الأخرى شهدت تغيرا جوهريا في نمطها . 
كل هذه التغيرات ربما قد تقودنا الى تفسير أكثر منطقية لحالة التداخل الأيديولوجي الثقافي و هو ما شهده الشعب الصحراوي مند الانطلاقة الأولى لحرب التحرير ، إذ يرى الدكتور عبد الغني عبود " أن الايدولوجيا قد تتكون و تتشكل بشكل مناقض تماما للثقافة في المجتمع و أوضح الأمثلة عن ذلك هو الأنبياء فقد اتو بأفكار و تصورات جديدة تماما تهدم تلك الثقافة السائدة في مجتمعاتهم رأسا على عقي رغم أن تشكيلهم الإيديولوجي قد تم وسط هذه الثقافة شأنهم في ذلك شأن غيرهم من الناس "
1 /2 قلة الوعي بأهمية التراث :
" إن الجهل بأهمية التراث ليعد اكبر خطر يهدد باندثاره " (4)
و في هذا الإطار لابد من التعريج على الشمول الثقافي السائد في فترة ما قبل حرب التحرير، هنا تجدر الإشارة إلى النظم التعليمية السائدة في تلك الفترة؛ اقتصرت في معظمها على الزوايا و الكتاتيب القرآنية التي مثلت الرافض الرئيسي للعلوم بشكل عام. إلا انه و بغرض تلقي العلوم الدينية ( خاصة فيما يتعلق بحفظ القرآن الكريم ) و بشكل أكثر سلاسة و سهولة عمد إلى التلقين الشفهي دون الكتابي لسهولة الأول و اعتماده على الحفظ التلقيني، دون تعقيد الثاني الذي يعتمد على علوم أخرى كاللغة و النحو والصرف...إلخ؛ كل هذه المعطيات تمخضت عن إقبال الصحراويين على الروايات الشفهية و التناقل و التخابر ، و الابتعاد عن الكتابة و التدوين وهنا يمكننا التطرق إلى أن العلاقة التي كانت سائدة بين الصحراويين و التراث كانت تقتصر على الممارسة ، إذ مثل التراث للإنسان الصحراوي : الملبس ، المسكن ، المأكل ، لغة التخاطب ، الطقوس المناسباتية و التنقل ... ، و لم يكن التراث ذا قيمة معنوية تجعله يحظى بالإحاطة و الخوف عليه من الاندثار و الضياع .
و التالي أصبح " التراث جملة من العادات و التقاليد التي تركها الأولون نساير ما ينفعنا منها و نتخلى عن ما يعيقنا "(5) ، و مع غياب التدوين و اعتبارنا للتراث كممارسة و نمط معيشي نكونوا قد أسهمنا وبطريقة لا إرادية بالدرجة الأولى في ضياع جزء كبير منه و اندثاره .
1/3 عامل الانحلال الثقافي ( الصدمة الثقافية ) : 
تحدث الصدمة الثقافية عادة عند تعرض المجتمع لظروف صعبة اثر تعرضه لكارثة من الكوارث ، كالزلازل و الحروب المدمرة ، حيث يعقب ذلك نوع من الفقدان الثقافي نتيجة تغير البنايات الأساسية للمجتمع ، فيفاجأ الأفراد بوجودهم أمام نسق ثقافي مضطرب ، و مع ذلك يحاولون أن يتشبثوا ببعض القيم في حالة عدم وجود البديل الذي يقبلون به(6) ، و هنا يمكن أن نشير إلى انه و في خضم حرب التحرير و قلة الحيلة و عدم توفر الإمكانيات إلا أن الشعب الصحراوي حاول المحافظة على بعض طقوسه و ممارساته و نذكر على سبيل المثال لا الحصر طقوس العقيقة ، التي توجب الذبيحة للمولود إلا أن الصحراويين و لعدم توفر الإمكانيات المادية عوضوا الذبيح كل على حسب إمكانياته تارة بالدجاج آو الأرانب آو أكثرها شيوعا السمك المجفف آو ما يعرف ب " باكالاو " فقط للحفاظ على الطقوس الاحتفالية بالمولود الجديد (لسم ) رغم تيار الظروف الصادة و المتغيرات المحيطة .
و يمكن ملاحظة الصدمة الثقافية بوضوح اكبر على المجتمع الجزائري أثناء حرب التحرير الكبرى ( 1954_1962) حيث اضطربت الأنساق الثقافية التي تمسك بها غالبية أفراد المجتمع الجزائري على امتداد الصراع الثقافي الطويل الدائر بين الثقافة الدخيلة التي فرضها المحتل الفرنسي ، و الثقافة السائدة ( العربية ، الإسلامية ) التي تشكل الشخصية الأساسية لإفراد المجتمع(7).
ربما قد لا نستجلي الكثير من الوضوح في حالة الشعب الصحراوي رغم الظروف القاسية التي عاناها و يعانيها منذ اندلاع الكفاح المسلح و ما صاحبه من تشريد و حرمان ؛ إلا أن الصحراويين بالمناطق المحتلة عرضة أكثر من غيرهم للانصهار الثقافي بسبب السياسات الاستعمارية الرامية لذلك ، فالمحيط الذي تم تطويقهم به من المستوطنين المغاربة و المعاملات الخارجية في نسقهم الاجتماعي أصبحوا بموجبها مضطرين اقله التخاطب بلهجة المستعمر لتسهيل تعاملاتهم مما يؤدي إلى انجراف ثقافي لغوي دخيل يحل محل الأصيل مع مرور الوقت .
أما بالنسبة للصحراويين في مخيمات اللجوء و لعدم وجود دراسات سوسيوانتروبولوجية معمقة في المجتمع فلا يمكن إثبات التغيرات الحاصلة على الايكولوجيا الثقافية بطريقة علمية عملية لا تقبل مجال للشك .
المراجع: ــــــــــــــــــــــــ
(1) الاتحاد الوطني للمرأة الصحراوية " المرأة في خضم المعركة"، روما 1981
(2)الحاسي أي بمعنى بئر
(3) الشاعر الزعيم علال "لوحة من حبر المعانات" قسم الإعلام و التوجيه –العيون2007(4) د. عبد الرحمن المغربي "الموروث الثقافي في فلسطين والتحديات والمسؤولية المجتمعية للجامعات في مواجهتها
فضح ممارسات " احتلال التاريخ" " www.qudsmedia.com-
(5)د.نور الدين طوالبي "الدين و الطقوس و التغيرات" بيروت 1988
(1) د. احمد بن نعمان" هذي هي الثقافة" الجزائر1988
(2) د. احمد بن نعمان" التعريب بين المبدأ و التطبيق في الجزائر و العالم العربي" الجزائر 1981

ليست هناك تعليقات:

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *