-->
جديد | July 12, 2014 | | |

حفل طلاق

الصحراء الغربية (وكالة المغرب العربي للانباء المستقلة)ـ
قال تعالى:" ياأيها الناس إتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث فيهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا" سورة النساء (الآية 1).
من هنا يمثل ميثاق الزوجية أكثر المواثيق الإنسانية قدسية، أمر تترتب عنه عديد الحقوق على الزوج والزوجة معا مراعاة لحدود الله وشرعه لذا إن من يتعداها " يدخله الله نارا خالدا فيها ابدا وله عذاب مهين" سورة النساء الآية 14.
وقد أمرنا الله بحفظ وصيانة هذا الميثاق وتفادي مسببات التفكك الأسري عبر مايعرف بالطلاق الذي هو أبغض الحلال عند الله، داعيا الى التحكم والعقل والإستعانة بالمصلحين والناصحين من الأهل وغيرهم من أجل إصلاح ذات البين بين الزوجين في حالة انقطاع الحوار والتواصل بينهما، حيث يقول الله تعالى:" وإن خفتم شقاقا بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريد إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا" سورة النساء ( الآية 35).
وقد ظلت عملية الطلاق في كل المجتمعات نكسة، لما يترتب عنها من مساوئ على مستوى الأسرة وكل التأثيرات السيكولوجية والتربوية العامة التي أول من يتأثر بها هم الأطفال ويدفعون ضريبتها القاسية.
وبالفعل، فإننا نرى تشدد بعض الأديان خاصة المسيحية التي تربط بين الزوجين في عقد لمدى الحياة، ولهذا يلزم الزوجان نفسهما أمام الكنسية بحماية العقد في السراء والضراء، في حلو الحياة ومرها، وأمام طول العشرة ومتغيرات الأحوال، يجد الزوجان صعوبة بل واستحالة في الإنفصال، لهذا نرى الكثير من الكوارث عند مايريد أحد الطرفين التخلص من الآخر، إما بالحرق أو القتل، ومن أجل ذلك أصبح الأوروبيون يعتمدون حياة العلاقة العائلية غير المؤسسة لا في الكنيسة ولا حتى البلدية لتكون لها حرية الفراق في أي وقت يحددانه.
ومن هنا أتى فرج الدين الإسلامي الحنيف، كدين يسر، يحترم مشاعر الأفراد، فأعطى إمكانية الطلاق عندما تفشل كل سبل الصلح.
ويعتبر الطلاق بالفعل كارثة تقع على رأس المرأة أكثر من غيرها، وتقاس الظاهرة بوقع أكثر إيلاما في المجتمعات العربية والمغاربية المجاورة.
فالمجتمعات تلك لاتنصف المرأة أبدا، وتعتبرها في حالة الطلاق غير صالحة، وإن كانت كذلك لحافظت على زوجها وبيتها، فتصبح المرأة هنا مجبرة على البقاء في البيت ولو بالمذلة، وقد تقبل الزوجة الثانية والثالثة، وفي أحسن الأحوال تتولى إدارة البيت ورعاية أولادها وأولاد الأخرى أو الأخريات دون تقدير أو إحترام، فتطرح أمام خيارات صعبة كالتي ذكرت.
في المجتمع الصحراوي، تتطلق المرأة لأسباب كثيرة موضوعية وغير موضوعية، وقلة من النساء من يدركن أهمية الأسرة ومسؤولية المرأة في حماية عش الزوجية وتحمل الصعاب للدفاع عنه، وقد تكون ذات المرأة أكبر من ذات الأسرة مما يسهل الطلاق، لكنه مع ذلك لاينظر- أي المجتمع- للمرأة المطلقة بنظرة نفور، بل على العكس، فقد تعيش معززة سواء مع أهلها أو بصفة مستقلة، وقد تعود لبيت الأهل ومعها أطفالها، فالأخوال في العادة يربون أبناء البنت" فالكبش مايثقلو أعليه اقرون" كما يقول الأباء في هذه الحالة.
ضف الى ذلك، أنه بإمكان المطلقة الزواج مرات عديدة وهي مقبولة إجتماعيا.
أما العامل الإقتصادي الذي هو بيت القصيد عند اشقائنا العرب، فهو ليس مشكلة بالنسبة للمرأة الصحراوية، ففي الماضي، ترجع لخيمة الأهل أو تسكن بجوارهم وتعيش مما يعيشون عليه في الشدة والرخاء.
أما حفل الطلاق الذي تناوله الكاتب والأديب مصطفى الكتاب( العظلي)، هو موضوع يتناوله الكثير من الغربيين والعرب بتعجب وتساؤل كما حصل مع الوفد الإعلامي المصري الكبير الذي زار المخيمات مؤخرا، هو حفل تنظمه صديقات المطلقة أو أهلها لطمأنتها بالعودة للأهل والإستبشار بالمستقبل كون الأبواب لن تكون موصودة أمامها.
تجتمع الصديقات والجارات في حفل عائلي فيغنين هذا الشور التقليدي: 
شخاسر على غيد اتخلات **** عائشة والراجل مامات.
وهو أي الحفل- إشعار للرجال بأن هذه السيدة أصبحت حرة ومؤهلة من جديد للزواج على سنة الله ورسوله.
مانريد الإشارة إليه، ليس الحفل في حد ذاته، بقدر ماهو خصوصية عند مجتمع البيظان فإنه يؤسس لمجموعة من المفاهيم والقيم الأصيلة حماية للمرأة من الإنحراف والفساد، وتقديرا لمكانتها الإجتماعية والأخلاقية.
- احترام المجتمع الصحراوي للمرأة وتقبلها في أي وضع إجتماعي هي فيه( عازبة، متزوجة، مطلقة، عانس) وفي أي عمر فيكفلها الأهل والأقارب كما كان بالأمس، ويكفلها التنظيم الوطني اليوم.
- إستقلالية المرأة إقتصاديا بالأمس في إطار التكاتف الإجتماعي واليوم في إطار الدولة الصحراوية إذ يتكفل التنظيم بإعالة الجميع ونصيبه مضمون(الغذاء، المياه، الصحة، التكوين، السفر...).
- تكفل التنظيم الوطني بتمدرس الأطفال في حضور الأب أو غيابه والتكفل بكل حقوقهم التربوية والصحية ورعايتهم من الولادة( التلقيح،التعليم، العلاج... الى البوغ ومابعده).
- ظهور مجموعة من قوانين الأحوال الشخصية المتفاوتة في حماية المرأة، في عدة بلدان عربية، ولن يكون المجتمع الصحراوي استثناء
أرجع وأقول، أن هذا ليس دفاعا عن الطلاق أو تحريضا عليه، فالثورة منذ بداياتها الأولى حاربت الطلاق كظاهرة مشينة لاتخدم الأسرة وتماسكها وبالتالي لاتخدم المجتمع الذي يسعى الى تجذير وحدته الوطنية- إذ أن كل أسرة هي نواة صلبة لهذه الوحدة المكسب، والوحدة تتطلب مجتمعا سويا، منسجما مع ذاته ومع أجياله، مؤمنا بأهدافه الوطنية غير قابل للتراجع عنها، وهي نفس الحرب التي شنتها الثورة ضد القبلية كونها أخطر القنابل الإجتماعية لنسف الدولة العصرية، بل وهي النقيض الأبدي لها.
إذن، فالحديث عن الطلاق ليس حنينا إلى ظاهرة ولت، بل، هو تناول لها كجزء من عادات وتقاليد شعبنا القديمة، تماما كالآثار والمقابر المتنوعة والأواني والحلي القديمة، وهي سرد للماضي الذي هو خلفية حضارية عميقة لهذا الشعب الضارب في أعماق التاريخ، له عادات جيدة وله أخرى سيئة ككل شعوب المعمورة،وهي مدعاة لخصوصيته الثقافية، التي ليس علينا تغييرها لأنها كانت هكذا، وليس علينا اليوم إحياءها لأنها جزء من الماضي لا أكثر ولا أقل.
صحيح، أن الطلاق ليس هو مشكلتنا اليوم، رغم معاناة الكثير من النساء بسبب الطلاق التعسفي " لعلاقة" كشيء غريب في مجتمعنا بسبب جهل النساء بحقوقهن القانونية وإستحيائهن من رفع الدعوى أمام المحاكم إحتراما للرجولة.
قضايانا اليوم كثيرة، والإحتلال المغربي فرض علينا الكثير من المتاعب، الإنتفاضة في الأرض المحتلة، تعتبر اليوم أم معاركنا، وضعنا في مخيمات العزة والكرامة كجبهة صمود وكفاح تستلزم الوعي بأهمية الوحدة الوطنية وتقوية المؤسسات الوطنية وترسيخ مكانتنا الدولية، أما رهاننا الكبير،فسيبقى في إجماعنا الوطني حول ممثلنا الشرعي والوحيد الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب والإلتفاف حولها أينما تواجدنا في الأرض المحتلة، في المخيمات، في المهجر، ودعمها لتجسيد أهدافنا الكبرى، حق تقرير المصير والإستقلال الوطني، دون أن نتجاهل أهمية التأسيس لجملة من القوانين والتشريعات حسب أولوية الظرف السياسي الذي نعيشه، وحجم الكفاح الذي نخوضه، أي التأسيس الصحيح لدولة القانون التي تحترم الإنسان بغض النظر عن جنسه أو لونه، وبالتأكيد ستستفيد النساء من هاته القوانين، التي سيكون قانون الأسرة من أبرزها عند ما يحين وقته وتتوفر الأرضية الملائمة له.
بقلم: خديجة حمدي 

Contact Form

Name

Email *

Message *