لا دور لموريتانيا في قضية الصحراء، لكن مهم الواقعية ونسيان العُقدْ

تابعت مثل غيري من متصفحي الصحافة الصحراوية والموريتانية والشبكة العالمية
مقالا لمحلل موريتاني اسمه عبيدي مجين، عنوانه هل لموريتانيا دور في إنهاء الصراع حول الصحراء الغربية.؟
وحتى أكون صادقا لم أقرأ الموضوع بسبب أن السؤال – العنوان- خارج السياق. هل سيصل إلى نتيجة أن موريتانيا لها دور في حل أزمة الصحراء الغربية المعقدة؟ هذا مخالف للواقع. أم هل سيستنتج أن موريتانيا لا دور لها.. هذا بديهي ولا يستحق إن يكتب أحد عنه بالمرة. 
حين نتناول موضوع موريتانيا ودورها في الصحراء الغربية يجب أن نكون واقعيين وحذرين في الوقت ذاته في ملامسة الموضوع الحساس. " نكون واقعيين" أعني به أن نبتعد عن المجاملة المجانية التي تطبع التعامل اللفظي بين البيظان، ونبتعد عن العاطفة في كوننا " شعب واحد يتكلم لغة واحدة، له أصول عرقية مشتركة، يحلب النوق بنفس الطريقة إلخ...". نبتعد عن هذا وننظر إلى الواقع كما هو بدون عاطفة وبدون مجاملة وبعيون مفتوحة على الحقيقة، وفي نفس الوقت ننظر إلى المستقبل. 
فالصحفي المذكور- عبيدي ولد مجين- هو صحفي في قناة موريتانية، وله برنامج يتناول فيه كثيرا قضية الصحراء الغربية، ويستضيف، مرارا، شخصيات صحراوية كثيرة مهمة، وموضوعاته لا تخرج، عادة، عن إطار الأسئلة التالية: هل البوليساريو حركة ديمقراطية، هل يوجد لديكم سجناء موريتانيين، ما مصير الموريتانيين الذين ساعدوا الصحراويين في الحرب، لماذا لا تبقى البوليساريو مرتبطة بموريتانيا " الدولة الأم التي أسستها"، هل لديكم سجون،التعذيب، المعارضة"، ولا يكتفي بالأسئلة إنما يروح يظهر صور أشخاص يقول أنه تم تعذيبهم على يد الصحراويين، ويتصل بمعارضين صحراويين، وبالتالي هو صحفي يريد إثارة نوع من التشويق على موضوعاته بإثارة مسالة حساسة مليئة في أحيان كثيرة بالمغالطات حتى لا نقول أكاذيب. 
أعود إلى الواقعية التي شددت، في البداية، على أهميتها حين نتناول العلاقات الموريتانية الصحراوية، واكرر مرة أخرى أنه علينا أن نبتعد عن العاطفة إذا أردنا أن نصل إلى نتيجة مفيدة.
إقحام ولد داداه ونظامه للشعب الموريتاني في الحرب أحدث شرخا عميقا في موضوع العاطفة التي يتغنى بها الشعبان ويطربان لها، وبسبب تلك الحرب لم يعد للعاطفة دور كبير في تلك العلاقة التي نتغنى بها ونجامل بها بعضنا بعضا كلما شربنا الشاي معا او تصافحنا. لا دور لها الآن - على الأقل في الوقت الراهن- وتتطلب عودة الدفء لتلك العلاقة وقتا طويلا وأجيالا ونظم الكثير من "لغنى" عن تلك العلاقة. تلك الحرب أيضا، بالإضافة إلى أنها أحدثت شرخا في كل ما هو عاطفي بين الشعبين، خلقت الكثير من العقد النفسية عند الصحراويين وعند الموريتانيين معا. نعم، ولَّدت تلك الحرب المشئومة عقدة ما يمكن أن نسميه العلاقة بين المهزوم والمنتصر. فمن العُقد التي تولدت عند الصحراويين أنهم ضربوا نواقشوط، هزموا جيش ولد داداه، وأطاحوا بالنظام الذي دخل الحرب، وفرضوا على موريتانيا الرسمية الخروج من الحرب منهزمة. بالمقابل، تولدت عند الصحراويين عقدة المنتصر، المتفوق، وكما نعلم فالتاريخ لا يرحم، خاصة حين يتعلق الأمر بالهزيمة والنصر في الحرب خاصة. 
وإذا كانت تولدت عند الصحراويين عقدة المنتصر، فبالمقابل، تولدت عند الموريتانيين عقدة الخاسر، خاصة عند الجيل الذي عاش تلك الماسأة، أو تربى يستمع إليها من أفواه من شاركوا فيها. فالموريتانيون الذين يحاولون الآن النيل من البوليساريو والصحراويين فإنهم يقومون بذلك بفعل ردة فعل آلية؛ بفعل التأثر بتلك الحرب وبعقدة الهزيمة. فمحاولة النيل من البوليساريو يكون إما بالتقرب من المغرب مثلا وعقد صداقة معه أو يحاولون الوقوف مع التيار الذي يغمز ويهمز في البوليساريو والصحراويين، والذي ربما يتمنى أن يراهم مهزومين تشفيا في الهزيمة الماضية. 
فالمهزوم- وهذا طبيعي - لا ينسى الهزيمة، وتعيش معه وقد تعيش مع أولاده. حين أتحدث عن هذا الموضوع فأنا لا أريد أن أثير أي نوع من النعرات بين الأشقاء، وأنا مؤيد قوي للعلاقة الثقافية والتاريخية بين الشعبين، وأنصح الشعبين بتقويتها واستثمارها، لكن أريد أن أقول لهم، معا، الحقيقة كما هي ومثلما تتطلبها الواقعية التي أريد أن افرضها هنا في هذا المقال. 
فحتى تعود العلاقة العاطفية التي نتحدث عنها دائما بين الشعبين يجب إن نتخلص، معا، من عُقدِنا التي ولدتها الحرب بين الشعبين. نتخلص منها معا؛ أي أن لا يذكر الصحراوي أنه أنتصر وضرب نواقشوط ولا يذكر الموريتاني أنه أنهزم وخسر.
فالأخ الصحفي الذي يتساءل عن هل لموريتانيا دور في إنهاء الصراع على الصحراء الغربية، يبدو لي- أتمنى إن أكون وحدي- أنه يمزح... هل يمكن لموريتانيا أن تعلب دورا في أزمة غلبت أمريكا وإفريقيا والسعودية والجزائر والأمم المتحدة؟ هل يمكن لموريتانيا التي تعترف بالجمهورية الصحراوية أن تلعب دورا في أزمة الصحراء الغربية هي التي لم تستطيع، بفعل الضغوط الفرنسية، أن تفتح سفارة للدولة الصحراوية في نواقشوط.؟ ما هي القوة التي تمتلك موريتانيا حتى يكون لها دور في أزمة يعيشها العالم كله؟ هذا التساؤل حول هذا الدور يجعلنا نتهم الصحفي الموريتاني أنه يمزح أو ذهنه غائب عن موضوع يدعي الاختصاص فيه. 
هذا المزاح الذي تساءل به الصحفي الموريتاني يجعلنا نقابله بالجد حتى لا نخدع موريتانيا ولا نخدع الموريتانيين والصحراويين معا.
فموريتانيا هي بلد هش اقتصاديا وسياسيا وديموغرافيا في الوقت الراهن، ومصدر قوته تكمن في بعده الجغرافي عن خصومه مثل فرنسا المغرب، لكن هذا وحده لا يكفي. فهذه موريتانيا الهشة عليها ضغوط غير مباشرة من طرف المغرب وفرنسا والسينغال وتقع في موقع سياسي صعب. لنتصور أن المغرب أحتل الصحراء نهائيا لا قدر الله. هل يوجد موريتاني سيشك ولو لحظة واحدة أن موريتانيا ستنجو من الأطماع المغربية. لا اقصد إن المغرب سيحتل موريتانيا بالقوة. سيتم احتلالها وابتلاعها وهضمها تدريجيا بالكثير من الوسائل غير العسكرية. 
الواقعية تتطلب أيضا أن لا ننسى الإجابة عن السؤال الآتي: ماذا ستقدم موريتانيا للصحراء الغربية مستقبلا، وماذا ستأخذ منها؟ هذا سؤال جوهري وهو الذي سيحدد معنى الواقعية الذي أصر على أنه يجب أن يؤخذ في الحسبان. 
الذي يجب إن يطبع العلاقات الموريتانية الصحراوية الآن ومستقبلا هو أن ننسى الماضي وننظر – لكن بواقعية- إلى المستقبل. ننسى العُقد - هذا مهم- ونتغلب على العاطفة وننظر، معا، إلى المستقبل لا إلى الماضي، ونحاول إن نستغل ما يمكن أن نستفيد منه في التنمية والتقدم والرقي. اللغة المشتركة والسلام المشترك والشاي واللباس لم يعد لها وزن في العلاقة بين الشعوب الآن،؛ أصبحت من جملة الفلكلور والمعرض فقط. ومع ذلك يمكن أن تكون معينا لو تخندق الشعبان في حلف واحد. العمل الآن هو إن يحاول الصحراويون والموريتانيون أيجاد حليف لهم معها، ولا يكون كل منهما مع حليف؛ يوحدان جهودهما ويتقربان من بعض بحكم وجود عوامل تاريخية موحدة موجدة مسبقا مثل الثقافة مثلا. هذا مهم. الواقع الآن، بسبب عدم بحثهما عن حليف موحد أو حلف يجمعهما معا، يجعلهما متباعدان جدا. إن أي موريتاني واقعي لو سألناه الآن عن أيهما أفضل: العلاقة مع صيني يأتيه بالتجارة والشاي إلى ميناء نواذيبو أو مع صحراوي لإنه جار وشقيق، سيقول لك أن العلاقة الاقتصادية مع الصين أهم من العلاقة العاطفية مع الصحراويين. بالمقابل، لو سألت أي صحراوي عن أي نوع من العلاقة أهم: العلاقة مع الجزائر التي تقف إلى جانب الصحراويين في معركتهم المصيرية، أم العلاقة مع موريتانيا لإنها جارة وشقيقة، سيقول لك العلاقة مع الجزائر. 
نعود لدور موريتانيا في أزمة الصحراء الغربية. الواقعية تقول أن موريتانيا لا دور لها إطلاقا في حل قضية الصحراء الغربية ما عدا دور الحياد " الأيجابي"، فهي، بسبب هشاشتها، واقعة تحت الكثير من الضغوط ولا تستطيع إن تفعل أي شيء، ويكفيها أنها تحاول أن تتكيف مع الظرف. فسياسة التوفيق بين ربط علاقات مع الجزائر وفرنسا والمغرب في نفس الوقت هو نجاح لموريتانيا، وفي حالة أن تقترب أكثر من قضية الصحراء الغربية قد يكون ذلك مؤلما. حين نتساءل عن دور لموريتانيا في حل قضية الصحراء فهو مثل التساؤل عن دور للأردن في حل القضية الفلسطينية. لا دور لها. 
بقلم: السيد حمدي يحظيه 
كاتب صحراوي

ليست هناك تعليقات:

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *