-->
موضوع | يناير 21, 2026 |

قُبيل مراجعة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية.. المغرب يعلّب الوهم ويسمّيه مبادرة

 


على نهجها المتكرر، تعود سلطة الاحتلال المغربي إلى لعبتها المفضلة، المتمثلة في إعادة تدوير الوهم وصياغته كل مرة في قالب "خطة جديدة"، كلما اقترب استحقاق أممي من شأنه كشف حقيقة المأزق الذي تعيشه. وقُبيل المراجعة الاستراتيجية المرتقبة لبعثة المينورسو في الصحراء الغربية، تسارع الرباط إلى تسويق نسخة محدثة، مما يسمى في أدبيات المخزن "مشروع الحكم الذاتي"، والرمي بها كأداة تشويش ومناورة استباقية يائسة، ترمي إلى العبث بقواعد مسار يضبطه القانون الدولي، لا النزوات التوسعية ولا الحسابات الظرفيــة.

فخلف العناوين البراقة، يطفو الجوهر نفسه: القفز على الشرعية الدولية، والالتفاف على الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي، ومحاولة مصادرة صوت اللاجئين عبر تمثيل مفصل على مقاس الاحتلال. إنها مناورة محسوبة لإرباك المسار الأممي لا أكثر، تعرف الرباط مسبقا أنها لن تمر، لكنها تراهن على الوقت وعلى إغراق الملف بالمبادرات الشكلية، لعل الضجيج يغطي الحقيقة الوحيدة: الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار لم تُحسم بعد.

وفي هذا السياق، يؤكد المحلل السياسي الصحراوي الصالح الحبيب الحافظ لـ"الأيام نيوز" أن الاندفاع المغربي المحموم نحو تسويق ما يُسمى بخطة جديدة للحكم الذاتي لا يمكن قراءته إلا في ضوء عامل الزمن الأممي الضاغط، وعلى رأسه المراجعة الاستراتيجية المرتقبة لبعثة المينورسو خلال شهر أفريل.

فبحسب الحافظ، لا تتحرك الرباط بدافع المبادرة أو الإبداع السياسي، وإنما تتحرك فقط عندما تشعر بأن المسار الأممي يوشك على الإفلات من دائرة التحكم والتدجين التي سعت طويلا إلى فرضها عليه. وفي مثل هذه اللحظات، تسارع إلى إطلاق بالونات إعلامية ومقترحات مستهلكة، تفتقر إلى أي مضمون سياسي جدي، ولا تهدف سوى إلى خلط الأوراق وصناعة ضجيج مصطنع يربك المشهد ويعرقل النقاش الحقيقي داخل أروقة الأمم المتحدة.

ويشدد الحافظ على أن ما يُقدَّم اليوم تحت مسمى "مبادرة" لا يعدو كونه مناورة بيروقراطية مكشوفة، تستهدف إغراق المنظمة الأممية بسيل من الوثائق الجانبية التي تفتقر لأي أساس قانوني أو مرجعية دولية. إنها محاولة بائسة لكسب الوقت، وتفريغ العملية السياسية من محتواها، وتحويل جوهر الصراع من قضية تصفية استعمار واضحة المعالم إلى نقاش تقني عقيم حول صيغ إدارية مفروضة من طرف واحد. غير أن هذه الأساليب، مهما تكررت وتعددت عناوينها، لن تغير من طبيعة القضية الصحراوية ولا من توصيفها القانوني، ولن تمنح الاحتلال شرعية يفتقدها، مهما أُعيد تغليف المشروع نفسه بشعارات جديدة ولغة أكثر نعومة.

الفشل المزمن

ويحذر الحافظ من أن أخطر ما ينطوي عليه الطرح المغربي الأخير هو محاولته المكشوفة إدخال مفهوم تمثيل اللاجئين الصحراويين في المخيمات خارج الإطار الشرعي الذي تمثله جبهة البوليساريو، في تجاوز فاضح وصريح لقرارات الأمم المتحدة التي تعترف بالجبهة ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الصحراوي. ويعتبر أن هذا التوجه لا يعكس سوى فشل مزمن في استيعاب قواعد القانون الدولي، وإصرارا على سياسة فرض الأمر الواقع، بدل الانخراط الجدي والمسؤول في مسار تقرير المصير كما تنص عليه الشرعية الدولية.

ويضيف الحافظ أن المغرب لا يفعل سوى إعادة إنتاج خطاب قديم بلغة محدثة، حيث يتم تسويق الحكم الذاتي كحل "واقعي" و"نهائي"، بينما يتم في الواقع تفريغه من أي مضمون ديمقراطي حقيقي. فهذا الطرح، بحسبه، لا يتضمن أي ضمانات لحق الشعب الصحراوي في الاختيار الحر، ولا يجيب عن جوهر الصراع بوصفه قضية تصفية استعمار غير مكتملة. كما يؤكد أن إدخال اللاجئين في معادلة تمثيل مفبركة هو محاولة فاشلة لخلق شرعية بديلة، لأن اللاجئ الصحراوي ليس رقما إداريا ولا ورقة تفاوض، بل صاحب حق سياسي غير قابل للتصرف.

شتّان بين الشرعية الدولية و"شرعية" العلاقات العامة

ويرى المحلل السياسي الصحراوي أن الرهان الحقيقي للرباط لا يكمن في البحث عن حل، بقدر ما يتمحور حول شراء المزيد من الوقت وتعطيل أي تحول نوعي في طبيعة ودور بعثة المينورسو، خاصة في ما يتعلق بملف مراقبة حقوق الإنسان أو إعادة بعث مسار الاستفتاء الذي تحاول المغرب دفنه سياسيا منذ سنوات. ويؤكد أن كل التحركات الأخيرة ليست سوى أدوات تعطيل ممنهجة، هدفها الإبقاء على البعثة في وضع رمادي مشلول، بلا فاعلية ولا قدرة على ملامسة جوهر الصراع.

ويختم بالقول إن هذا السلوك يعكس حالة قلق عميق داخل دوائر القرار في الرباط، لأن أي مراجعة جدية وشجاعة لتفويض المينورسو ستعيد الملف إلى أصله الحقيقي: قضية تصفية استعمار لم تُستكمل بعد، وهو السيناريو الذي تخشاه المغرب وتسعى إلى تفاديه بكل الوسائل، حتى ولو كان الثمن هو الدوس على القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

من جانبه، يؤكد المحلل السياسي محمود خطري لـ"الأيام نيوز" أن ما تسميه الرباط "خطة حكم ذاتي جديدة" لا يعدو كونه محاولة يائسة لتسويق فشل سياسي متراكم في إدارة ملف الصحراء الغربية. ويعتبر أن الإكثار من المبادرات الشكلية والخطابات المنمقة لا يعكس دينامية سياسية، بل يكشف غياب أي استراتيجية حقيقية قابلة للحياة. ويقول خطري إن المغرب يحاول منذ سنوات استبدال الشرعية الدولية بشرعية العلاقات العامة والضغط الدبلوماسي، غير أنه يصطدم في كل مرة بحقيقة صلبة: الصراعات لا تُحسم بالخطاب الدعائي، بل بالالتزام بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

ويشدد خطري على أن إدراج مسألة تمثيل اللاجئين الصحراويين خارج إطار جبهة البوليساريو يمثل خطوة بالغة الخطورة، لأنها تمس بجوهر العملية السياسية التي تشرف عليها الأمم المتحدة. فبدلا من التعامل مع الممثل الشرعي والمعترف به دوليا، تحاول الرباط تفصيل تمثيل بديل على مقاسها السياسي، في سابقة لو تم تعميمها على صراعات دولية أخرى لأدى ذلك إلى تقويض أسس النظام الدولي برمته. ويضيف أن هذا السلوك يفضح التناقض الصارخ في الخطاب المغربي، الذي يدّعي الالتزام بالشرعية الدولية، بينما يعمل فعليا على تفريغها من مضمونها وتقويض آلياتها.

ويشير خطري إلى أن توقيت الإعلان عن الخطة ليس بريئا ولا عفويا، بل يأتي في لحظة حساسة تشهد فيها بعثة المينورسو نقاشات داخلية عميقة حول فعاليتها وحدود تفويضها وجدوى استمرارها بالشكل الحالي. ويعتبر أن المغرب يسعى إلى خلق ضجيج سياسي وإعلامي يسبق هذه المراجعة، أملا في فرض وقائع تفاوضية جديدة، رغم إدراكه المسبق بأن الأمم المتحدة لن تتبنى أي طرح يتجاوز أو يلتف على حق تقرير المصير.

ويختم تحليله بالتأكيد على أن الحكم الذاتي، بصيغته المغربية، تحول إلى عنوان للاستهلاك السياسي أكثر منه مشروعا قابلا للتطبيق، وأن الاستمرار في الترويج له دون أفق قانوني لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع وتعميق العزلة السياسية للمغرب داخل دوائر الشرعية الدولية.

هروب سياسي فاضح

أما عضو المكتب التنفيذي لاتحاد عمال الساقية الحمراء ووادي الذهب، مبارك سيد أحمد مامين، فيصرح لـ"الأيام نيوز" أن الخطة المغربية الجديدة تكشف مرة أخرى عن خوف بنيوي متجذر لدى الرباط من أي مسار قد يقود إلى استفتاء تقرير المصير. ويقول إن كل ما تطرحه المغرب منذ سنوات يدور حول فكرة واحدة لا غير: كيف يمكن القفز على الاستفتاء دون الإعلان عن ذلك صراحة. وفي هذا السياق، لا يعدو الحكم الذاتي أن يكون اسما دبلوماسيا ناعما لهروب سياسي فاضح المعالم.

ويؤكد مامين أن الحديث عن تمثيل اللاجئين الصحراويين في المخيمات يمثل تجاوزا خطيرا، ليس فقط لجبهة البوليساريو، بل للاجئين أنفسهم، الذين اختاروا منذ عقود أن يكونوا جزءا من مشروع تحرري واضح ومعلن. ويضيف أن المغرب يتعامل مع اللاجئين كأرقام تفاوضية وأدوات ضغط، لا كضحايا احتلال لهم حقوق سياسية وقانونية غير قابلة للتصرف.

ويرى مامين أن هذه الخطة تأتي في سياق إدراك المغرب المتزايد بأن ميزان الشرعية الدولية لا يميل لصالحه، خاصة مع عودة الملف إلى واجهة النقاش الدولي وتصاعد الدعوات إلى تصحيح مسار المينورسو. ولذلك، تلجأ الرباط إلى صناعة بدائل وهمية ومبادرات مصطنعة، تراهن من خلالها على إنهاك المسار الأممي وتعطيله بدل الانخراط الجدي في حله.

ويختم مامين بالتأكيد على أن أي حل يتجاوز جبهة البوليساريو وحق تقرير المصير محكوم عليه بالفشل سلفا، وأن كل محاولات الالتفاف والمناورة لن تغير الحقيقة الأساسية: الصحراء الغربية ليست قضية حكم ذاتي ولا ترتيبات إدارية، بل قضية شعب ما زال ينتظر منذ عقود ممارسة حقه المشروع في الحرية والاستقلال.
سلمى عماري - الأيام نيوز

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *