في مُحاولةٍ لمُواجَهة “الجزيرة” وإيران: السعوديّة تُطيل أذرُع أخطبوطها الإعلامي بقناتَيّ (SBC)


يبدو أنّ مَسألة توسيع نِطاق السَّيطرة الإعلاميّة، وشِراء قنوات ضخمة بِعَينِها كمجموعة قنوات (MBC)، مع تمويل قنوات إخباريّة قائِمة (شاشة العربية)، ليست هي طُموحات القِيادة السُّعوديّة الشابّة الحاليّة فقط، فمع دُخول شهر رمضان المُبارك، ينتظر السعوديون دخول قناة (SBC) إلى الخدمة، وهي قناة فيما يبدو قناة مُنوَّعة، وتَستهدِف كافّة الشرائح في المُجتمع.
وتَرتكِز انطلاقة الشاشة السعوديّة الجديدة فيما يبدو على المُسلسلات الحصريّة، وكان الرئيس التنفيذي لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإعلامي داوود الشريان قد أعلن عن انطلاق القناة المذكورة، وجرى إطلاقها تحت عُنوان حملة “غَصْب تِحِبَّها”، وهُوَ العُنوان المُضاد والمُتعارَف عليه لأسماء القنوات الرسميّة في المملكة، (غصب 1)، و(غصب 2)، أي القناة السعوديّة الأولى، والثانية التي كانت لا تحظ بمُتابعة لقدم ورتابة برامِجها، ومُسلسلاتها، وفرض الرَّقابَةِ الدِّينيّةِ عليها.
القناة تَنطَلِق بَدل القناة الثقافيّة التي حلَّ اسم (SBC) مكانها، وشعارها، ووعدت إدارتها بجلب ما يُرضي المُشاهد السُّعودي، الذي كان يلجأ في الماضي إلى القنوات العربيّة، حيث كانت قنواته المحليّة مَضبوطةً ضِمن إيقاع المعروف والمُنكر، قبل انطلاق عصر الترفيه والانفتاح اليوم، ونسف كامل معايير الضوابط الشرعيّة التي كانت تَحكُم سِياسيات العَرض التَّلفزيونيّ المحلِّي، فظُهور سيّدة “سافِرة” عبر تِلك الشَّاشات كان بِمَثابة جبل من المَعاصي.
ويَرى مراقبون أن السعوديّة تتَّجِه نحو اعتماد النموذج الإعلامي الإماراتي في القنوات الترفيهيّة، وتحديداً شاشتيّ تلفزيون “أبو ظبي” و”دبي”، حيث تُعتَبر تِلك التلفزيونات شاشات حُكوميّة رسميّة، لكنّها تستطيع جذب المُشاهد المحلِّي والعربي حتى، من خلال سلسلة برامج ترفيهيّة مُنوعّة تتنوع بين برامج المُسابقات، المسلسلات، وحتى برامِج الغِناء التَّنافُسيّة بِنُسَخِها المُعرَّبة، وحقّقت نجاحات لافِتة، وهو ما يُمكن تحقيقه من خلال (SBC).
وكانت القناة السعوديّة الجديدة قد أحدثت جدلاً مع قُرب انطلاقها، حيث أعلنت عن عرض مسلسل “أرض النفاق” للنجم المِصري محمد هنيدي على شاشتها في شهر رمضان، ولكن تبيّن لاحقاً أن العمل يظهر فيه إعلامي مِصري له سوابِق هُجوميّة عدائيّة مع حكومة المملكة، وهو ما استدعى منع المسلسل، وردّاً من قبل الشريان الذي أكّد حرصه على عدم ظُهور أي شخص أساء للعربيّة السعوديّة على شاشات الإعلام السعودي.
السعوديون سيكونون مع انطلاق شهر رمضان على مَوعِدٍ مع عدد من نُجوم الدَّراما المِصريّة، الذين طالما كانوا مِثالاً للفسق والفُجور والقدوة غير الحسنة لأهل بلاد الحرمين، كما كان يُروَّج من فتاوى لتحريم المسلسلات وأبطالها، ويلتقي المُشاهد السعودي مع النجم عادل إمام في مسلسل “عوالم خفيّة”، والنجمة يسرا “لدينا أقوال أخرى”، ومسلسل اختفاء لنجمته نيلي كريم، كما يُعرض مسلسل بالحجم العائلي من بطولة النجم يحيى الفخراني.
ويُتوقَّع أن تقوم السعوديّة في الأعوام القادِمة، بتمويل أعمال خاصّة، تَهدِف إلى الترويج إلى انفتاحها، والتركيز على مُهاجمة تيّار الصحوة المُتَّهم حاليّاً، وغالبيّة رموزه خلف القُضبان أمثال الشيخ الداعية سلمان العودة، بالمَسؤوليّة عن التَّطرُّف الفِكري لأجيال المملكة، وبالتالي نُشوء جيل إرهابي، ساهم في صُعود الحركات المُتطرِّفة، وعملياتها الدمويّة في المِنطقة، وكانت وزارة الإعلام في السنوات الأخيرة قد ساهمت في دعم أعمال محليّة، لكنّها لم تلق الرَّواج، لعرضها على الشاشات المحليّة، ولضَعف مضمونها، وسيناريوهاتها الركيكة، وإخراجها الهزيل.
ولا يَقتَصِر توسيع الامبراطوريّة الإعلاميّة السعوديّة على الشَّق الترفيهي، فيبدو فيما يبدو أنّ العمل جارٍ على قدمٍ وساق، في توسيع منظومة الشاشات الإخباريّة، بالتعاون مع مُؤسّسات دوليّة، حيث أعلنت المجموعة الإعلاميّة الدوليّة “بلومبرغ” توقيعها صفقة مع المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق لمُدَّة عشر سنوات، لإطلاق قناة “بلومبرغ” العربيّة.
وتَبلُغ قيمة تمويل القناة حواليّ 9 ملايين دولار، وستخضع القناة للتمويل من قبل المجموعة السعوديّة للأبحاث، ومن مصادرها الذاتيّة التي تملكها أُسرة الملك سلمان بن عبد العزيز، ويُديرها الأمير محمد بن سلمان، وليّ العهد، وبحسب تقارير إعلاميّة فقد تردَّد عن إيكال مُهمَّة إدارة القناة للإعلامي عبدالرحمن الراشد، مدير قناة “العربية” سابقاً، ولا يَقتَصِر إطلاق القناة على البَث المرئي، بل يتعدَّى للإذاعي، والمنصة الرقميّة، بالإضافة إلى مجلة “بلومبرغ بزنس ويك” الناطقة باللغة العربيّة.
وتتحدَّث المعلومات عن تواجد مقر القناة في العاصمة الرياض، ومكاتب لها في إمارة دبي، وبالنظر إلى مكان البث الرئيسي، فيتوقَّع أن تكون القناة تابِعة للتوجُّه السِّياسي السعودي تماماً، ومُساهِمة للترويج له في العالم العربي، كما مُهاجمة لخُصوم المملكة، وإبراز إنجازات القِيادة الشابّة التي تَحرِص على الظُهور الإعلامي المُكثّف، ومُتابعة مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي ظِل الأزمة الخليجيّة المُندلعة مع قطر، وإمبراطوريتها الإعلاميّة الأكثر حُضوراً وعلى رأسها “الجزيرة”، يتحدّث نُشطاء عن وجود خطّة خفيّة للقناة القادِمة، لمُهاجمة قطر بِشَكلٍ مُكثَّف، والرَّد على الضَّخ الإعلامي بِما يتوافق مع إرادة الرياض، وبدعم إعلامي أمريكي مُباشر من وكالة بلومبرغ الأمريكيّة، ممّا يضمن مُنافسة عالية في مجال قطاع الأخبار، والحملات الإعلاميّة الشَّرسة التي تَشُنُّها السعوديّة على خُصومِها، وأعدائها.
الصحافي السعودي أحمد التميمي، والذي يعمل في شركة أجنبية لرصد واقع الإعلام الجديد، وتعليقاً على انطلاق (SBC) في الشَّهر الفَضيل، يَستبعِد في حديثٍ لرأي اليوم، أن تكون القنوات السعوديّة الجديدة، بغض النَّظر عن نوعيّة مضمونها ترفيهي أم إخباري، مُسخَّرةً لخِدمَة قضايا الأُمَّة العربيّة، ويقول يبدو أنّ القادِم الإعلامي السعودي سيكون أكثر سواداً، وتهميشاً للرأي الآخر، مع تَسارُع دعوات التَّطبيع، وحَمَلات التَّخوين التي تَطال الشُّعوب حتى قبل حُكوماتِها، وفي اليمن، سورية، قطر، فِلسطين، وغيرها أمثلة عديدة على ما نقول، يُضيف التميمي.
ويأتي هذا التحشيد والتعبئة الإعلامية السعودية على أكثرِ من صعيدٍ في إطار “الحرب الباردة” التي تزداد سُخونةً بين المملكة وإيران، وتزايد التَّوقُّعات التي تُفيد بعدم وجود حلٍّ وَشيكٍ للأزمةِ الخليجيّة، واستفادة قناة “الجزيرة” من هذه الأزمة، من حيث تبنَّيها للأزمة اليمنيّة التي تَحظى بمتابعة قوية في أوساط الرأي العام العربي، إلى جانب الرأي العام اليمني واستضافتها الحوثيين، وعودتها إلى تبنِّي مِحور المُمانعة، وتغيير سياستها في الملف السوري، وبَثِّها خِطابات السيد حسن نصر الله على الهواء مُباشرةً، ما يُشكِّل “انقلاباً” في خَطِّها التحريري.
ويَهدِف التَّوجُّه الإعلامي السعودي الجديد إلى مُواجهة ما يُسمّى بقنوات محور المُقاومة، حيث يحتاج الحُضور الإعلامي إلى تمويل، وهو ما تستطيع خزينة المملكة تحقيقه، وتعظيم شأنه وقد انتصرت بالفِعل بِلاد الحرمين على غريمتها الجمهورية الإسلاميّة، في مقطع فيديو أشبه بألعاب الأطفال الحربيّة، كما استطاع ثُلَّة من المُصارعين هزيمة نُظرائهم الإيرانيين بحُضور بن سلمان، يقول مختصون.
السُّؤال، هل سيَنجَح هذا التَّوسُّع للأذرعة الإعلاميّة السعوديّة الضَّارِبة في الهَيمنةِ على الخريطة العربيّة مُجدَّدًا بعد أن أزاحتها منها قناة “الجزيرة”؟
الأيّام المُقبِلة كفيلةٌ بالإجابة على كُل هذهِ الأسئلة، لكن من الصَّعب الإجابة بنَعم في ظِل سِياسة الإقصاء السُّعوديّة للرأي الآخر.
المصدر: راي اليوم

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.