ما نية المغرب من وراء تنظيم كأس العالم بالشراكة مع الجزائر ؟


قبل الولوج الى صلب الموضوع دعونا نلقي نظرة على الوضع المغربي ومقارنته بالواقع الجزائري في مختلف الميادين ، ثم نبحث عن الأسباب الداعية الى هذه المبادرة .
تتفوق الجزائر على المغرب في العديد من المجالات ، إلا ظاهرة الخبث وحياكة الدسائس التي تظل حكرا على المغرب تجاه جيرانه وغيرهم ، فعندما نحلل الوضع المغربي من كل الزوايا المهمة للإنسان سواء كانت اجتماعية ، سياسية وإقتصادية ، سنجد أن هذا البلد غارق في العديد من الأزمات الداخلية والخارجية ، نبدأها من انتهاكات حقوق الإنسان وما يتعرض له المغاربة من مصادرة للحريات وتضييق على الرأي ومن محاكمات ظالمة وأحكام جائرة كتلك التي طالت زعماء حراك الريف وغيرهم من الصحفيين كحميد المهداوي وبوعشرين ، هذا فضلا عن الاختفاء القسري الذي يطال العديد من المغاربة الأحرار الناغمين على الملكية وفسادها المستشري في كل مفاصل الدولة المغربية .
أما الحالة الإجتماعية في هذا البلد فإنها لا تبشر بالخير ، حيث الفساد الأخلاقي أين تنتشر السياحة الجنسية ، والمثلية واغتصاب الأطفال والنساء وإنتشار المخدرات ، فضلا عن الفقر المدقع المستشري في العديد من الحواري والقرى والمدن المهملة ، حيث مساكن الصفيح الغارقة في النفايات وهشاشة الأوضاع الصحية والتعليمية وضعف الدخل إن لم نقل إنعدامه الى جانب غياب الخدمات وقلة العناية بالإنسان بوصفه انسان .
أما الوضع الإقتصادي في المغرب فإنه لايعدو كونه إمتداد للفساد السياسي الذي تنتهجه السلطة المطلقة في المغرب بمختلف مستوياتها بدء بالملك مرورا بالحكومة وصولا الى البرلمان وشتى الإمتدادات عبر الخارطة المغربية ، فمعروف أن المغرب لايزخر بثروات معتبرة وهامة كالبترول وغيره ، ولهذا فإن إقتصاده يعتمد على الإستيراد بشكل كبير وتجارة المخدرات بالدرجة الأولى التي يعمل على تبييض اموالها في العديد من البنوك الإفريقية خاصة ، ناهيك عن النهب الممنهح لثروات الصحراء الغربية المحتلة ، والذي اصبح مقيدا بقرار محكمة العدل الأوروبية والدعاوى التي ترفعها جبهة البوليساريو بين الفينة والأخرى بهذا الخصوص ، والتي تسببت في عزوف بعض الشركات عن ممارسة نشاطها بهذا الإقليم الذي لم تسو وضعيته القانونية بعد .
كل هذا هو نتاج سياسة ملكية فاسدة داخليا وخارجيا وتتحكم في ريعها مؤسسة الهولدينغ الملكي ، لا بل وتوظف هذا الريع لصالح أجنداتها الخاصة بمعزل عن حقوق الشعب المغربي الذي يعاني الأمرين الظلم في الحقوق والقهر عند الحراك .
إن مقارنة بسيطة لهذا الوضع المغربي المزري والشائك مع نظيره في دولة القانون والمؤسسات الجزائرية ، يجعلنا كمن ينظر الى الفرق بين السماء والأرض ، فالفقير في الجزائر يكاد يكون أغنى الأغنياء في المغرب والدليل أنه مامن جزائري إلا ويحظى بحقوقه المشروعة ويتوفر على سكن محترم ومبلغ مالي للذي لايعمل او بغير وظيفة ، في اطار برامج هادفة تضطلع بها الحكومة الجزائرية كتشغيل الشباب ورعاية المسنين ، هذا ناهيك عما توفره دولة المليون ونصف المليون من الشهداء لأبنائها من المزايا في إطار حقوق الإنسان ، والتي كان لها الفضل في نجاح سياسة الوئام المدني وحماية الجزائر من كل مظاهر الشغب التي تحركها الأيادي الأجنبية الغادرة ، كل هذا يعود الى الحكم الراشد الهادف الى خدمة البلاد والعباد معا ، وما تخلص الجزائر من الديون الخارجية ، وما تعج به اليوم من مشاريع عملاقة وبنى تحتية راقية وأخرى في طريق التطوير والإنجاز إلا دليل على قوتها السياسية والإقتصادية التي جعلتها في مصاف البلدان الوازنة قاريا ودوليا .
على أساس هذا التحول الكبير ، والنقلة النوعية التي حققتها الجزائر الأبية ، تأت رغبة المغرب في اعداد ملف مشترك مع الجزائر لتنظيم كأس العالم ، والغاية من وراء ذلك يمكن تلخيصها فيمايلي : 
1_ فتح الحدود بين البلدين وفك الخناق الجغرافي الذي يعاني منه المغرب لاسيما بعد الدعاوى القضائية التي لاتنفك جبهة البوليساريو رفعها بخصوص الصيد في المياه الإقليمية الصحراوية ، وإنتهاك مجالها الجوي الذي مازال خاضعا للرقابة الاسبانية بإعتبارها الإستعمار الذي كان يدير هذه البلاد قبل الإحتلال المغربي . 
2 _ تعويل المغرب على الصمعة الجيدة التي تحظى بها الدولة الجزائرية في العالم ، والتي من شأنها جلب الكثير من التأييد لهذا الملف المشترك وإنحاحه ، خاصة بعد الهزيمة النكراء التي مني بها الملف المغربي المنفرد لتنظيم مونديال 2026 .
3 _ محاولة الحصول على فائدة إقتصادية من شأنها إخماد بعض من الثورة المتأججة في الشارع المغربي بسبب الفساد وقلة الإهتمام بالمطالب الإجتماعية المشروعة للمغاربة .
4 _ إلهاء المغاربة إعلاميا بهذا الموضوع ومحاولة إمتصاص غضب الشارع الذي بدأ يمتد الى الملكية في المغرب وسياستها الفاشلة .
5 _ وهذه من التكهنات المستقبلية لطبيعة الصراع في الصحراء الغربية ، والتي لاينفك المغرب عن إقحام الجزائر فيها ، حيث من المحتمل أن تكون هذه المبادرة المغربية وسيلة لتقارب وجهات النظر بين البلدين بإحداث دينامكية تسرع من تقرير المصير للشعب الصحراوي ، خاصة وأن فرنسا بدأت تشعر بسحب البساط من تحتها بسبب الإجماع الذي يبديه الإتحاد الإفريقي في هذا الصدد ، والذي يحشر المغرب والمصالح الفرنسية في الزاوية ، وبالتالي فمن غير المستبعد أن تلجأ فرنسا الى خطب ود الجزائر التي تعد من بين الدول الفاعلة والممولة لميزانية الإتحاد الإفريقي الى جانب جنوب إفريقيا ونيجيريا ، وذلك قصد الحفاظ على المصالح الفرنسية مقابل رفع فرنسا ليدها عن الملف الصحراوي وعن دعم الأطروحة المغربية التي بدت أوهن من بيت العنكبوت أمام قرارات الشرعية الأممية وأحكام القضاء الدولي والأوروبي .
لاشك أن إقدام المغرب على هذه الفكرة أو المبادرة ، والحرص على تناولها في الإعلام والعمل على تنفيذها مستقبلا شئ من الأهمية له بمكان ، لكن تبقى الدولة الجزائرية وسياستها وراء ذلك ، كون الأمر في مثل هذه الحالة يقاس بميزان المصالح والنتائج والآفاق الواعدة المتوخاة منه ، خاصة وأن الجزائر سبق لها وأن فتحت الحدود مع المغرب في التسعينيات عن حسن نية وإذا بها تتعرض للخبث والدسائس ولزعزعة أمنها ، وهو مالاتحبذه الجزائر أن يتكرر اليوم من طرف المغرب لاسيما في وقت تنعم فيه بالإستقرار وبالتقدم والإزدهار على الكثير من الواجهات والمستويات الداخلية والخارجية .
بقلم : محمد حسنة الطالب .

ليست هناك تعليقات:

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *