الفيلق الرابع/ الجزء السابع، معركة أم أدگن...الفجر الدامي.


مع بداية شهر يوليوز سنة 1988 كانت مخيمات اللاجئين الصحراويين تستقبل أولى موجات الحر الخانق, وطبعا كان الصيف دائما صعب على اللاجئين الذين كانوا يقضون معظم أيامهم تحت لهيب الشمس مباشرة ومع ذلك كانت معنوياتهم تعاند قساوة الطبيعة التي لا ترحم. 
كانت أيام ذلك الصيف القائظ ملتهبة بشكل غريب ومع بداية شهر يوليوز بلغت درجات الحرارة مستويات إستثنائية ورغم لفحات (إريفي) الساخنة كانت حملات محو الأمية هي حديث الساعة داخل تلك المخيمات البسيطة التي كانت تبدو ساعة الزوال متناثرة وسط السراب. 
وخلال تلك الأيام الحارة التي كان الهواء فيها يتوقف فجأة مع منتصف النهار,كان الفيلق الرابع يستريح منذ مدة, وطبعا لم يشارك الفيلق في أي عمل قتالي كبير منذ معركة حفرة إشياف, ومع ذلك كان الشباب واثقون أن ذلك الصيف الساخن لن يمر دون خوض معارك جديدة. 
كان الشباب قد أصبحوا الآن مقاتلين مخضرمين بعد خوض كل تلك المعارك التي وقعت منذ يوم أزمول النيران, ومع ذلك لازال لقب فيلق الشباب يلازمنا. 
كانت القيادة العسكرية تدرس منذ مدة تجربة الفيلق الرابع في الجنوب ,ومع دخول أولى طلائع الصيف الخانق ,وبعد عام كامل من معركة تشلة حدث ما لم نتوقعه أبدا. 
منتصف شهر يوليوز إجتمعت هيئة الأركان تحت رئاسة الشهيد محمد عبد العزيز وبعد تقييم تجربة قتال المدرعات في الجنوب, تقرر إنشاء ناحية مدرعة تتولى القتال في ذلك القطاع البعيد بشكل دائم,ومرة أخرى كان الفيلق الرابع على رأس التشكيلات التي تم اختيارها لتلك المهمة الصعبة. 
لم تكن دورياتنا نحو الجنوب إذا مجرد دوريات عابرة ويبدو أن القيادة العسكرية كانت تحضرنا لهذا الأمر منذ البداية ,وطبعا كان ذلك يعني أن القتال في تلك الأرض البعيدة والقاسية قد أصبح قدرنا. 
مساء العاشر يوليوز سنة 1988 وفي عز ذلك الصيف الذي كانت حرارته تكاد تذيب الأجساد ,تم الإعلان عن تأسيس الناحية العسكرية السابعة في وديان توطرات,ومباشرة عين محمد ولد الولي ولد أعكيك قائدا لها,وقد تكونت تلك الناحية عند تأسيسها من التشكيلات التالية: 
- الفيلق الرابع للمشاة الميكانيكية, تحت قيادة سيدي ولد عثمان ولد أحمد لبراهيم. 
- فوج المدفعية الذي أصبح يحمل إسم الفوج 12 بقيادة الداه نافع (الداه الجنوب). 
- فيلق البحرية الذي أصبح يحمل إسم الفيلق 17 بقيادة الهيبة ولد ببيت. 
ومنذ ذلك اليوم سيحمل الفيلق الرابع إسم الفيلق الخامس عشر ومع ذلك كنا دائما نفضل الرقم أربعة. 
ومع بداية شهر غشت بدأت رحلة الصيف ثانية نحو منطقة تيرس التي كنا قد أصبحنا نعرفها بشكل جيد. 
كنا قد تركنا تيرس بداية شهر فبراير بعد معركة حفرة إشياف مباشرة وكانت حينها لا تزال تحافظ على بعض مظهرها الأخضر البديع رغم قساوة الشتاء في تلك الأرض التي تجعلك حرارة صيفها تتمنى لو يعود الشتاء ثانية. 
كان المسير نحو الجنوب في ذلك الصيف الملتهب صعب جدا , ورغم الحرارة الشديدة ومظاهر الجفاف التي كانت تسد الأفق مازالت بعض الحشائش اليابسة (أجميدة) تغطي أديم تلك الأرض التي كانت منذ أشهر قليلة ترفل في ردائها الأخضر. 
زوال يوم الثالث غشت كانت الناقلات تطوي بنا تلك الفيافي الموحشة ومن بعيد ظهرت قمم جبال أگلاب أزعافيگ تطفو فوق السراب ,وسندرك لاحقا سبب تسمية تلك الجبال السود التي كانت تحمل الكثير من معاني إسمها. 
صباح يوم 21 يوليوز1988 كانت مخيمات اللاجئين الصحراويين تستقبل أوليفر تامبو رئيس المؤتمر الوطني الافريقي ,ورغم سطوة الصيف الخانق إحتفل الصحراويون بتلك الزيارة التي كانت القيادة السياسية توليها عناية خاصة. 
وفي تلك الأيام أيضا كان الأمين العام للأمم المتحدة خافيير بيريث ديكويلار يستعد لتقديم مقترحات تدعو لإيقاف الحرب بين جبهة البوليساريو والمغرب,وفعلا جرى تنظيم لقاء خاطف جمع ديكويلار بطرفي النزاع في نيويورك يوم 21 غشت 1988. 
كانت هذه المقترحات تحمل خطة لوقف إطلاق النار وتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية,وفي نهاية هذا اللقاء طلب الأمين العام الأممي من الطرفين الرد على هذه المقترحات قبل الفاتح سبتمبر. 
لم يتأخر رد البوليساريو كثيرا فقد أعلن الشهيد محمد عبد العزيز عبر وكالة الأنباء الجزائرية يوم 30 غشت 1988 أن جبهة البوليساريو توافق على هذه المقترحات شرط أن تشمل: 
- المفاوضات المباشرة بين جبهة البوليساريو والمغرب. 
- الانسحاب الكامل للجيش والادارة المغربية من المناطق المحتلة. 
- تنظيم إستفتاء عادل بإشراف الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية. 
ويبدو أن الحسن الثاني قد تلكأ قليلا في الرد على مقترحات التسوية ويبدو أن القيادة السياسية أرادت تذكيره بقوة السلاح , وطبعا كنا نتابع كل تلك التطورات عبر الإذاعة الوطنية التي كانت أنيس المقاتلين الدائم خلال تلك السنوات. 
كان الصيف يمضي متثاقلا في منطقة تيرس وبين لهيب الشمس وسياط الرياح كنا ننتظر أوامر القيادة العسكرية التي كانت فيما يبدو تعد أمرا جللا,وعلى غير العادة أمضينا هذه المرة منذ وصولنا شهرا ونصف دون خوض معركة. 
كانت القيادة العسكرية تبحث منذ مدة عن هدف ثمين وخلال أشهر عديدة كانت تدرس كل الخيارات وتقلب خطتها على نار هادئة. 
وخلال ذلك الصيف الاستثنائي جابت وحدات الاستطلاع أغلب قطاعات الجدار السادس ومع مرور الأيام بدأت ملامح الاستعداد للمعركة تتلاحق. 
صباح يوم 14 سبتمبر1988 صدرت الأوامر بشكل عاجل بضرورة مراجعة القوة النارية و تجهيز الناقلات للهجوم, وطبعا كان هذا القرار يعني أن يوم المعركة قد أصبح قريبا. 
ومع حلول زوال اليوم الموالي إعتلى الشباب ظهور الناقلات وبدأت رحلة المسير نحو المعركة, وبين الرمال الملتهبة التي تبدو لا نهاية لها واصل الفيلق تنقله نحو الغرب رغم العواصف الرملية والحر الخانق وقبل صلاة العصر بقليل وصلنا منطقة آميگيز. 
كان الفيلق السابع عشر قد وصل الى منطقة التجمع فيما كانت الناحيتان الأولى والثالثة ترابطان في تلك المنطقة منذ أيام. 
ومع حلول عصر ذلك اليوم حدثنا محافظ الفيلق عن منطقة أم أدݣن وعن وجود الراجمة الثالثة المغربية على مسافة قريبة من القواعد المستهدفة وأبرز رغبة القيادة العسكرية في تدمير تلك الراجمة بشكل نهائي. 
كنا قد سمعنا قبل ذلك عن هذه الراجمة مرتين على الأقل, كانت الأولى يوم تدخلها في معركة أعظيم أم أجلود قبل عام ,والثانية يوم خرجت من الحزام بعد العملية الخاصة التي نفذتها الناحية الثالثة في منطقة إشركان. 
و يبدو أن القيادة العسكرية كانت تبحث عن هذه الراجمة الشهيرة منذ مدة وتمهد الأسباب لإستدراجها ,وطبعا كان الجيش المغربي يعتمد كثيرا على شهرة هذه الراجمة لدعم معنويات جنوده في الحزام الدفاعي. 
أخيرا حل يوم تلك الراجمة التي كانت تأتي دائما متأخرة, ويبدو أن صراع الإرادات العسكرية كان قد وصل قمته مع نهاية ذلك الصيف الذي شهد تطورات متلاحقة. 
ومع وجود الفيلق الرابع الشهير والراجمة المغربية الثالثة كان واضحا أن تلك المعركة ستكون ضارية بكل المقاييس. 
كانت ساعات ذلك المساء الساخن والمشحون تمر بطيئة وبدا جليا أن حجم تلك المعركة سيكون كبير جدا, وقياسا الى مستوى التحضير النفسي ونوع التشكيلات العسكرية الصحراوية المشاركة كان يبدو أن الصحراويين يبحثون عن نصر كبير. 
كان التحضير لمعركة أم أدگن يتم بشكل هادئ جدا, ودون إثارة أي إنتباه ظلت وحدات الاستطلاع طيلة تلك الأيام التي تسبق المعركة تضع عيونها على فاصل محدد ومع مرور الوقت تمكنوا من معرفة كل التفاصيل رغم صعوبة تضاريس تلك المنطقة. 
مساء يوم 15 غشت 1988 وبعد صلاة المغرب بقليل إجتمعت قيادة المعركة وبعد دراسة كل التفاصيل التي قدمتها مجموعات الاستطلاع تقرر تنفيذ الخطة التالية: 
- تتولى كتائب المدرعات التابعة للناحية السابعة مهمة مهاجمة القواعد الأمامية وتدميرها. 
- تتولى السرية الخامسة من الناحية السابعة مهمة الانتشار غرب ثغرة العبور وتأمينها حتى نهاية المعركة. 
- تتولى الناحيتان الأولى والثالثة مهمة الإنتشار في عمق المعركة و صد النجدات المحتملة. 
- يتولى فوج المدفعية التابع للناحية السابعة مهمة تدمير القواعد التي تقع على أطراف المعركة. 
وطبقا لهذه الخطة تقرر على غير العادة أن تتولى الكتيبتان المدرعتان الأولى والثانية من الفيلق 15(الفيلق الرابع) مدعومتان بالكتيبة الأولى من الفيلق 17 الدخول نحو الميسرة (الخالفة العسرية) ومهاجمة القاعدة الرئيسية وإحتلالها. 
- وستتولى الكتيبة الثالثة المدرعة مدعومة بوحدات من الفيلق 17 الدخول نحو الميمنة (الخالفة العربية) وإحتلال نقطة الإسناد الشرقية. 
وخلال هذا الاجتماع تم التأكيد على ضرورة التحضير الجيد لمواجهة الراجمة الثالثة التي من المتوقع أن تتدخل مع بداية المعركة بسبب قرب تمركزها من المنطقة المستهدفة. 
ومع نهاية هذا الاجتماع تم تحديد الساعة الخامسة فجرا كموعد للاقتحام وصدرت الأوامر بضرورة تدمير كل القطاعات المستهدفة. 
كان الليل قد بدأ يرخي سدوله على منطقة آميݣيز وبدا ذلك المرتفع الأسود الصغير جاثما في الظلام على مشارف منطقة أم ادݣن التي كانت تستعد لدخول التاريخ. 
ومع مرور ساعات تلك الليلة الساخنة بدأ ذلك السهل المحيط بمرتفع آميݣيز يشهد آخر لحظات التحضير لتلك المعركة التي كانت كل المؤشرات توحي بأنها ستكون ضارية. 
كانت الناحيتان الأولى والثالثة جاهزتان تماما للمعركة وقد استعدتا لذلك اليوم الكبير منذ عدة أيام, وطبعا كانت الناحية السابعة ستخوض أولى معاركها تحت هذه الإسم وكان ذلك يعني بالنسبة لنا ضرورة تسجيل إنجاز نستهل به مسيرة تلك الناحية التي كانت ستضع أولى بصماتها في الحرب فجر اليوم الموالي. 
كانت ناقلات BMP1 تقف بإنتظام كحبات مسبحة تحيط بجيد مرتفع آميݣيز والشباب يحيطون بها ينتظرون ساعة الإقتحام ,وغير بعيد عن تلك النقطة يرقد رفاقنا شهداء معركة أم أدريگة الذين كان واجب إحترام تضحياتهم يزيد الرجال إصرارا على تحقيق نصر آخر. 
ووسط ذلك الليل الهادئ إنطلق مشاة فيلقنا المكلفون بفتح ثغرة العبور عبر تلك المنطقة الوعرة التي يصعب فيها المسير. 
كانت موجات (إريفي) الساخن المتلاحقة تلفح وجوه الشباب بين الحين والآخر ومع مرور الوقت بدأ العطش ينال من تلك المجموعة التي يعول عليها كل الرجال المشاركين في المعركة,ورغم ذلك ومهما حدث كان على أولئك الرجال أن يصلوا إلى الفاصل المستهدف قبل الثالثة فجرا ليتمكنوا من مساعدة مجموعة الهندسة ,وطبعا سيقع عليهم عبأ تأمين ثغرة العبور حتى وصول المهاجمين. 
كانت القيادة العسكرية قد أعدت خطة محكمة من أجل إستدراج الراجمة الثالثة وتدميرها,وعلى هذا الأساس تقرر أن تدخل الناحيتان الأولى والثالثة مباشرة نحو عمق المعركة وأن تنتشرا على شكل قوس خلف القواعد المهاجمة وتنتظرا قدوم النجدات. 
مع حلول الساعة الرابعة والنصف فجرا تمكن رجال الهندسة ومشاة الفيلق الخامس عشر من فتح الثغرة,وفي تلك الدقائق التي تفصل الرجال عن بدء المعركة كانت تلك المجموعة التي يلفها الصمت وينهشها العطش تترقب ساعة الصفر بحذر بالغ ,وبدون سابق إنذار دندن صوت الناقلات الصاخب ممزقا سكون ذلك الفجر الذي كان هادئا إلى تلك اللحظة , وبعد دقائق قليلة بدأت مدفعية العدو توجه نيرانها نحو الشرق ويبدو أنهم كانوا قد شعروا قبل تلك اللحظة بإحتمال تعرضهم للهجوم. 
كان الرجال ينتظرون في سفح جبل آميݣيز منذ ساعات طويلة ومع حلول الساعة الخامسة فجرا وبدون أي إنتظار إنطلقت كل تلك العربات المجنزرة في وقت واحد وبأقصى سرعتها نحو الغرب,وعبر مسالك وشعاب منطقة أم أدݣن الوعرة بدت تلك الناقلات مذهلة وهي تجتاز كل تلك العوائق التي توفرها الطبيعة غير آبهة بكل تلك الآكام التي تميز منطقة أم أدگن وتجعل تجاوزها صعبا للغاية. 
كانت مشاهد الاقتحام في ذلك الفجر الرائع مدهشة بكل المقاييس ورغم الظلام الذي كان لازال يخيم على تلك الأرض, كان يمكن تمييز مئات الآليات التي كانت تندفع كالسيل الجارف نحو ذلك الفاصل الذي كان على موعد مع زوار الفجر. 
يتبع...معركة أم أدݣن...الفجر الدامي...الجزء الثاني. 
الكاتب : حمدي ميارة

ليست هناك تعليقات:

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *