أول مرة " ماما باريس" غائبة عن المشهد


عاصمة النور، باريس، أصبحت عاصمة الظلام، وورائحة العطر الفرنسي الذي غزا العالم أصبح ممتزجت برائحة دخان العجلات ورائحة دخان القمامة المرتفع من شوارع باريس المحترقة بعد مظاهرات التسرات الصفراء كل سبت. عاصمة الحرية، العاصمة المستيقظة 24 ساعة محظور فيها التجول ليلا هي التي أصابتنا ابواقها بالصداع متغنية بالحرية والديمقراطية. بوريطة لم يزر باريس غداة جلسة مجلس الامن حول الصحراء الغربية، فربما نساها أو زارها خلسة. هذا المشهد هو سياسي أكثر منه تصويري لعكس حال " ماما باريس" هذه الأيام. بخلاصة فرنسا منشغلة بأحشائها وبتنظيف شوارعها من أثار الفوضى، ومنشغلة بتلميع صورتها المتكسرة أكثر مما هي منشغلة بقضية الصحراء الغربية في مجلس الأمن.
منذ بداية ابريل الحالي ودبلوماسية الاحتلال المغربي مصابة بسعار( مكلوبة) حاد يحدث لها أول مرة. من قبل لم "يطير نوم" دبلوماسية الاحتلال، ولم تصاب بالآم مغص مؤلم في البطن مثلما يحدث لها الآن مع أقتراب صدور قرار مجلس الامن نهاية شهر ابريل. ورغم القطع انه، مثل سابقيه، لن يكون قرارا ذا أهمية ماعدا توقع التمديد لستة اشهر، فإن هرولة الدبلوماسية المغربية هدفها هو القفز على عثرات الطريق وألغامها، وتحصين ما تظن انه مكاسب سابقة مثل عدم ذكر الاستفتاء في قرارات مجلس الأمن، وإغراق مبدأ تقرير المصير في أكوام من المصطلحات مثل الحل السياسي، والحل التوافقي، ومحاولة للقفز عليه ومحوه من قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة لاحقا. أول مرة تعتمد الدبلوماسية المغربية على ذاتها. لكن لماذا هذا الماراطون المغربي الآن؟ ببساطة أنه من قبل كانت سفارة " ماما باريس" في عواصم الدول العظمى والكبرى هي التي تقوم بكل الاتصالات، وتُبرم الصفقات في أي شيء يتعلق بقضية الصحراء الغربية في مجلس الأمن، خاصة تليين مواقف دول الفيتو ومقايضتها، أما الباقي، الفتات، والمساعي لدى السينغال أو بورما أوتايلندا فتقوم به الدبلوماسية المغربية لتظهر في الواجهة. الآن وزير خارجية المغرب، شخصيا، يتوجه محموما إلى روسيا وإلى الصين وإلى بريطانيا وإلى الولايات المتحدة ليقبل ارجلها ويلحس احذية مسوؤليها إذا تطلب الأمر. هذا لم يكن يحصل من قبل حين كانت " ماما باريس" قوية ولها هيبة. فرنسا الآن منشغلة بمستنقعها، وبأحشائها، ووضعها الهش يشبه وضع دول الربيع العربي قبل الفوران. في لافتة في مظاهرات الجزائر السلمية تظهر صورتان: واحدة صورة لقمع مظاهرات السترات الصفراء في باريس، وبجوارها صورة للمظاهرات الراقية في الجزائر وكتب حامل اللافتة تحت الصورتين: " والله ما تحشمو يا فرنسا استعمرتونا 130 سنة ولا تعلمتو الديمقراطية وحرية التعبير، ومزلتو تقمعوا شعبكم." منذ سنتين " ماما فرنسا" تعيش وضعا سئيا إلى أبعد حد:
- على مستوى الاتحاد الاوروبي بدأت الدول الكبرى مثل المانيا تتململ وتتمتم وتشكك في أهلية وقوة فرنسا لحمل الفيتو في مجلس الأمن، وتقول انه يجب ان يتم تجريد فرنسا من الفيتو ومنحه لألمانيا أو للاتحاد الاوروبي كاتحاد؛
- على مستوى القارة الافريقية تم كشف المستور، وهو أن " ماما باريس" كانت تعيش على تغريم 14 دولة إفريقية وترتهن أموالها وأقتصادها، وهذه الدول بدأت تتمرد على باريس علنا، وبعضها امتنع عن ذفع الغرامات، وطلبت ايطاليا الدول المذكورة بالتمرد على باريس، مصاصة الدماء ؛
- وزاد من الإجهاز على سمعة وقوة " ماما باريس" كشف زيف ديمقراطيتها حين بدأت تقمع المظاهرات، وبهذا تحولت إلى دولة مثل دول العالم الثالث التي تلجأ إلى القمع. 
- فشل ذريع في سوريا وفي العراق وفي المشرق العربي بصفة عامة وخروجها خاوية الجيب؛
- ضربة قاضية وصادمة في الجزائر. ف"ماما فرنسا"، بمساعدة ولايتها الفرنسية في المغرب، كانت منذ مدة تظن أن الجزائر حشيشا يابسا ينتظر الصيف فقط ليشتعل آليا، وكانت تحلم بفرصة الربيع العربي في الجزائر لتشعلها، لكن الحراك الجزائري لم يقع في الفخ، وفشلت محاولة فرنسا في التحكم فيه وتوجيهه؛
- فشل في التدخل في ليبيا، وفشل ومحاولة استغلال الوضع الإقليمي لإدخال السلاح إلى الجزائر عن طريق حفتر لمحاولة عسكرة الشارع الجزائري المتظاهر لإعادته إلى العشرية السوداء والحمراء.
الآن فرنسا هي مثل الافعى المجروحة التي تعض ذيلها وتنفث فيه السم. إن ضعف فرنسا وإحساسها بالتفسخ الداخلي والخارجي، وتكسير إطار صورتها يجعل موقفها ضعيف في مجلس الأمن حينما تتم مناقشة قضية الصحراء الغربية.
السيد حمدي يحظيه

ليست هناك تعليقات:

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *