استقالة المبعوث الأممي للصحراء الغربية يعيد الملف إلى واجهة الأحداث والأجندة السياسية والإعلامية الدولية ويؤثر على مسار التسوية السلمية؟


مدريد ـ “رأي اليوم” – البشير محمد لحسن:
جاء قرار المبعوث المبعوث الأممي للصحراء الغربية، هورست كولر، مفاجئاً لكل الأطراف والمتتبعين على حد السواء. فالرجل الذي لم يمضِ على تعيينه سوى أقل من عامين، وبعد أن أعاد الملف إلى واجهة الأحداث والأجندة السياسية والإعلامية الدولية يُغادر اليوم دون سابق إنذار. ولا زال سبب الاستقالة يلفه الكثير من الغموض وإن كولر (76 سنة) قد أرجعه إلى دواعٍ صحية.
هورست كولر، هو رئيس ألمانيا بين عامي 2004 و2010 (غادر منصب الرئاسة مستقيل أيضاً) وقد جاء اختياره من طرف الأمين العام للأمم المتحدة بغية إعطاء دفعة جديدة للملف المتجمد منذ سنة 2012، تاريخ عقد آخر لقاءٍ بين طرفي النزاع، برعاية الوسيط الأممي حينها الأمريكي، كريستوفر روس.
وقد تباينت ردود أفعال مختلف الأطراف حول الاستقالة، فقد علّقت الأمم المتحدة على لسان أمينها العام، أنطونيو غوتيريش، بأنها تأسف بشدة لهذه الاستقالة، مؤكداً أنه يتفهمها تماماً، معرباً عن طيب تمنياته للمبعوث كولر بالشفاء. بينما عبّر طرفا النزاع عن أسفهما على الاستقالة، معبرين عن شكرهما لجهود هورست كولر وإن اختلفت لغة كلّ منهما، فقد أعلن المغرب، في بيان لوزارة الخارجية، أنه يأسف لاستقالة المبعوث الشخصي للأمين العام الأممي إلى الصحراء الغربية، هورست كولر، مشيداً بالجهود التي قادها منذ تعيينه في أغسطس سنة 2017. وأثنى بيان الخارجية المغربية على “المثابرة والمهنية التي طبعت مهامه”. من جانبها جبهة البوليسارية قالت في بيان أصدرته تمثيليتها في الأمم المتحدة أنها “تعبّر عن حزنها العميق لإستقالة المبعوث الأممي هورست كوهلر، الذي ظل منذ توليه ملف الصحراء الغربية يسعى جاهدا للتوصل إلى حل عادل ودائم يضمن حق تقرير المصير للشعب الصحراوي”. وثمّن بيان البوليساريو “الجهود التي قدمها الرئيس كوهلر والديناميكية التي أطلقها لإعادة عملية السلام في الصحراء الغربية”.
ويُعدّ كولر سابع مبعوثٍ شخصي للأمين العام الأممي للصحراء الغربية، وقد راعت الأمم المتحدة وارء تعيينه عدة اعتبارات بينها أنه رئيس سابق لأقوى دولة أوروبية اقتصادياً والأكثر تأثيراً في دواليب صناعة القرار بالبيت الأوروبي، وهو ما سعى من خلاله الأمين العام الأممي إلى الرمي بثقل الإتحاد الأوروبي خلف المبعوث ومنحه الدعم اللازم للمضي في وساطته، لِما للإتحاد من علاقة مباشرة بالملف، ليس فقط بكون أحد أعضائه (اسبانيا) هي القوى المستعمرة السابقة للصحراء الغربية، بل لأن الإتحاد الأوروبي قد دخل على خط النزاع القضائي مع جبهة البوليساريو بسبب اتفاقيات الصيد البحري والزراعي والتي امضتها المفوضية مع المغرب ما دفع البوليساريو إلى رفع شكاوى أمام محكمة العدل الأوروبية حكمت فيها لصالح البورليساريو.
أما السبب الثاني لتعيين كولر فيتعلق بتكوين هورست كولر الاقتصادي، فالسياسي الألماني يمتلك خبرة كبيرة في مجال الاقتصاد بدأها منذ سنة 1990 ككاتبٍ للدولة في وزارة المالية، ثم رئيساً لإتحاد صناديق الإدخار الألمانية بين سنوات 1993 و1998، ليتم تعيينه سنة 1998 كرئيس للبنك الأوروبي لإعادة البناء والتمنية. أما أرفع منصب اقتصادي شغله هورست كولر فكان سنة 2000 بترأسه مجلس إدارة البنك الدولي الذي استقال منه أيضاً سنة 2004. وكانت الأمم المتحدة تسعى من خلال تعيين رجل الاقتصاد الألماني إلى البحث عن حلٍّ للنزاع في الصحراء الغربية خارج الصيغ التقليدية التي دأب المبعوثون على اتباعها، أي عن طريق بوابة الاقتصاد كأن يكون ملف الثروات أو المنافذ البحرية أو المعابر الحدودية مثلاً مدخلاً للبحث عن صيغة توافقية بين طرفي النزاع. لكن ذلك الحل لم ينضج ولم يصل حتى لمرحلة طرح حيثياته للنقاش والتفاوض، وينفي الطرفان أن يكون هورست كولر قد قدّم أثناء الجلسات التي جمتعهما أي مقترح جاهز للحل.
وبدأ هورست كولر مشاوراته مع طرفي النزاع بزيارات معاينة ميدانية تلتها لقاءات غير رسمية، أطلق عليها اسم “الطاولات المستديرة”، وقد عُقِدت الأولى نهاية شهر ديسمبر الماضي بمدينة جنيف السويسرية وضمت طرفي النزاع إضافة إلى كل من الجزائر وموريتانيا كبلدين ملاحظين. أما الطاولة المستديرة الثانية فقد كانت شهر مارس الماضي بجنيف أيضاً، ولم يحرز أي من اللقائين تقدماً يُذكر في اتجاه الحل النهائي. وكان هورست كولر يعمل وسط تكتم شديد ويحيط على لقاءاته بسرية تاّمة ولا يسمح لوفود الطرفين بالإدلاء بأي تصريحاتٍ للصحافة، بينما كان هو يكتفي بتلاوة بيان مكتوب في الندوة الصحفية التي تعب نهاية الجلسات قبل أن يعقد وفدا المغرب والبوليساريو ندوةً صحيفة يُسمح فيها للصحفيين بطرح الأسئلة.
وتمنح الأمم المتحدة للمبعوثين الشخصيين حرية اختيار صيغة العمل التي يرونها مناسبة وكذا طريقة الاتصال بالاطراف واجندة الزيارات واللقاءات، وهو ما يعني أن الجهود التي بذلها كورست كولر إلى الآن، والتي كانت ستثمر عن لقاءٍ جديد كان مبرمجاً شهر يونيو القادم، ستذهب سدى ولن يبني عليها المبعوث الدولي الجديد التي سيتم تعيينه في غضون الأشهر القليلة القادمة.
كل ذلك يؤكد أن المسار التفاوضي قد عاد إلى نقطة الصفر لأن المبعوث الدولي القادم لن يكون مُلزَماً بمواصلة مسارٍ كان قد بدأه غيره. وإن كانت أسباب استقالة كولر يحيطها الكثير من الغموض، إلّا أنه من خلال تتبع مسيرة الرجل المهنية يتضح أنه كان كلما واجه صعوبات في مناصبه السابقة يلجأ للإستقالة، وهو سلوك ينتشر بكثرة في الثقافة السياسية الغربية.
ولم تكن لكولر مشاكل مع أي طرف من أطراف النزاع، على عكس سلفه كريستوفر روس، الذي استقال بعد رفض المغرب التعامل معه، وكان هورست كولر يحظى بدعمٍ ضمني من الإدارة الأمريكية في مخططه ولعل تقليص مأمورية بعثة “المينورسو” شهر أبريل الماضي لمدة ستة أشهر، كما تطالب بذلك البوليساريو، خير دليل على عدم معارضة الولايات المتحدة الأمريكية لجهوده.
ويبقى الترقب سيد الموقف في انتظار تعيين الأمم المتحدة لموفدٍ دولي جديد يعيد لمسار التسوية الأمم زخمه ويضع لمسته على هذه النزاع الشائك والطويل الذي لم ينجح سبعة وساطاء دوليين قبله في تحريكه من مكانه.
المصدر: صحيفة راي اليوم

ليست هناك تعليقات:

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *