-->

كن موضوعيا و اطلب المستحيل


يرتبط الخيال بالجسد الإنساني و يعبر عن مختلف حالاته، و من ثم يتبعه ليكوِن معرفة غامضة وملتبسة حاملة للوهم، يعني ان الخيال له دورا حركيا متصلا بالنشاط الإنساني اليومي، مرافقا للأهواء و مرتبطا بالبحث عن القوة، وبذلك يشكل مصدر معرفة أولية لكنه من جهة أخرى، يقوم بدور استباقي بحيث يساهم في إيجاد الحلول الإيجابية. ولا يمكنه أن يقوم بهذا الدور الإيجابي إلا عند تدخل العقل ليقهر تلك الأهواء السلبية. فهو يعبر عن نزوات وأهواء الجسد من جهة و من جهة اخرى تابع للعقل وخادم له. يعني ان النفس البشرية خلقت مطيعة للأوهام، إن لم يثنيها الارتباط القويم بالموضوعية و المعرفة و تغليب الواقع على الخيال باعتباه دليله الى الصواب، و سلوك الإنسان يرتبط دائما بما بنفسه بغض النظر عن صوابه من عدمه، و أعمال الانسان تأتي نتيجة لما بنفسه من معتقدات و افكار و تصورات و ما ينطوي عليه فؤاده من المبادئ و القيم، و لذلك قيل: "كل إناء بما فيه ينضح" و "الناس أسرى أفكارهم و معتقداتهم"، فلا يخلو عقل الانسان من اوهام، و الوهم هو اعتقاد فاسد ناتج عن تصور خاطئ او غير مكتمل، و ما يقع للأفراد في هذا الضمار ينطبق على المجتمعات ايضا. و الوهم لصيق بالجهل و نقص المعلومات عن الشيئ الذي تنسج حوله اوهام. و لم يخلو مجتمعنا من اوهام رافقته لعقود من الزمن الماضي و الماضي القريب، مثل ان اسبانيا " ربحت 99 guerra "، "لا يستطيع الشعب هزيمة دولة لديها الدبابات" و " لا نستطيع بناء دولة" الخ. و لكل فترة اوهامها.
و لقد واجهت ثورتنا في بداية انطلاقها كثيرا من الاوهام التي سلطت عليها ضوء المعرفة و بددتها، لان هذه الثورة تميزت في اغلب ما ميزها في نشأتها بالموضوعية و الجدية و المعرفة ومحاربة الجهل و مواجهة اكاذيب الاستعمار بالحجة الدامغة و البرهان الساطع، و وضوح الرؤية السياسية لدى مناضليها الذين تميزوا بالتفرغ لخدمة الوطن و التخلي عن المصالح و الملذات و الاستعداد للتضحية في سبيله و تحمل المسؤولية و الصبر على المشاق و التصميم على تذليل المصعاب ايما كان نوعها لانتزاع النصر، بمستوا من البساطة و نكران الذات لا مثيل له، و قد كان اعتماد هذه الثورة على شعبها مطلقا، لتترسخ قناعة لدى مناضليها بحتمية النصر و تلاحق المكاسب لا محالة من اجل الاستقلال. كان هذا هو لب عقيدة الشعب الصحراوي التي آمن بها من خلال الجبهة الشعبية طليعة تقوده لتحقيق النصر، و استكمال سيادة الدولة الصحراوية، عقيدة تذوب امام نصاعتها كل الاوهام والافكار الطفيلية، عقيدة نحتت من صلب الواقع الوطني بكل تجلياته، لتنقش في اذهانا افكارا تجعل الانسان الصحراوي قادرا على صنع المستحيل الذي اصبح اليوم لا جدال في امكانية صنعه، ان لم تخالطه الاوهام الناتجة عن جهل محتوى هذا اللب، عقيدة يجب ان لا تحوم حولها الاوهام لتبقى خزانا يزود شعلات الثورة في كل نقلة عبر مسيرته المظفرة، و هو الامر الذي بوجوده ارتبكت كل حسابات الاستعمار الاسباني واعوانه آنذاك و تعجل في رحيله صاغرا، و عندما خلفه الغزو الرجعي الهمجي المغربي الداداهي كان الشعب الصحراوي قد استوعب عقيدته الكفاحية الثورية ليستمر في نهج نضالي قادر على توحيد الصفوف و شحذ العزائم لمقاومة المعتدين الجدد كما القدامى، عقيدة كانت يتيمة عقدها، الوحدة الوطنية في 1975/10/12 كآخر حلقة من حلقات تأطير الشعب الصحراوي في إطار الجبهة الشعبية بعيدا عن الاوهام، لان الاوهام لا تنبت الا في الفراغ السياسي. و عليه فينبغي ان لا يغيب عن اذهاننا الان، ان هذا الشعب لن يصل الى مبتغاه الذي لا محيد عنه، الا بالتمسك بهذا الطريق السوي، لان العقيدة التي يحملها الإنسان في صدره ذات أثر بالغ في سلوكه، و السلوك العملي للإنسان في حياته ومواقفه تجاه الأحداث التي تواجهه، ما هي إلا ترجمة لعقيدته، و لا تلبث الحياة أن تتغير باستمرار، و الوهم يسرى وسط المجتمعات بشكل مستمر و ينمو دون امكانية إيقافه بسهولة، ليعيش الكثيرون موهومين فى أنفسهم، و يقتنعون بهذه الاوهام و يتصرفون على أساس انها حقيقة مما يؤثر على سرعة تحقيق الهدف.

فلقد حقق شعبنا في ظل الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب على مدى ما يزيد على 44 سنة مكاسب لا حصر لها، غير ان اهم مكسب كسبناه تحت هذه المظلة هو اعلان الدولة الصحراوية كتتويج لجملة من المكاسب، و تشييد مؤسساتها الفتية على اجزاء محررة من ارض الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية و على ارض اللجوء، و لكن صلب الاوهام هو ان نعتقد اننا قد اصبحنا نستظل بمظلة الدولة و نحن لا زلنا في منتصف الطريق و كأننا نعيش احلاما تجافي واقعنا الذي يوحي بأن مهامنا تنحصر في ظروفنا الحالية في مهمتي : تنظيم المقاومة و سد حاجيات اللاجئين لدعم المقاومة، ليس إلا، و كل ما يخرج عن هاتين المهمتين يمكن الاستغناء عنه، حتى و لو اختلف ذلك و تصورات بعضنا و ممارساته التي توقعه في بحر من الاوهام التي تتنافى وعقيدتنا المبينة اعلاه، انه لجميل و مشروع ايضا، ان نحلم، و لكن الاجمل من ذلك هو ان نحول احلامنا الى واقعا ملموسا ثم نعيش نشوة التلذذ بها، و لن يتأتى ذلكم التحول ونحن منتشون نائمون، لان العلى لا تنال بالتمني، و انما من "طلب العلى سهر الليالي".
2019/11/01
محمد فاضل محمد اسماعيل obrero

Contact Form

Name

Email *

Message *