وكالة الانباء المستقلة | أبريل 17, 2020 |
مقالات
هل نحن أمام أزمة قيادة؟
كنت أكدت في كتابات قبل انعقاد المؤتمر الخامس عشر ان أسباب تدني الأداء المؤسساتي هو عدم القدرة على استشراف استراتيجية تثمر التفاعلية نتيجة ضعف الأداة التي تدير شأننا العام وعدم استيعابها لأهمية التغيير والتجديد المطلوبين. وقد ركزتُ على أهمية الانفتاح والحوار خلال التحضير للمؤتمر باشراك النخبة الوطنية دون إقصاء أحد منها للوقوف على مكامن الخلل وإيجاد لها العلاج المناسب. وقلت ان نجاح المؤتمر يكمن في اخراجنا من وضعية الانتظار والترقب والانسداد التي نعيشها.
وها نحن نتفاجأ بإعادة انتخاب المؤتمر الخامس عشر لنفس الأداة التي سبق وأن حكمنا على عدم قدرتها على ادارة معركتنا التحريرية بما يضمن تحريك عجلة الكفاح إلى الامام. ورغم الدلالات الكبيرة التي حملها مكان انعقاد المؤتمر، كونه كان في ضيافة جيش التحرير الشعبي في الاراضي المحررة من الجمهورية الصحراوية، الا انه تبين ان مركز القرار عندنا تعوزه الجرأة للمبادرة واصبح رهينة حسابات وهمية جعلتنا نراوح مكاننا ورهينة " لأفق غامض " في ظل تحديات داخلية وخارجية خطيرة. وقد ظهر ان اصحاب الفكر المتحجر والفهم الخاطئ أرادوا ان يسير كل شيء حسب ما خططوا له بدءا من التحضير وصولا إلى نتائج المؤتمر؛ بأن لا تحدد عهدة للرئيس ولا للأمانة الوطنية وبأن تكون نسبة التجديد في اعضاء هذه الأخيرة ضئيلة جد. يعجز العقل، حقا، عن تصديق انه بعد اكثر من 45 سنة من الكفاح المرير، والذي لازال مستمرا، لم يخرج المؤتمر الخامس عشر لجبهة البوليساريو برؤية واضحة في التجديد وفي التداول على السلطة، ولا حتى باستراتيجية لبناء الاطر وتأهيلها من اجل ضمان التواصل والانتقال السليم للسلطة، الامر الذي سيعقد عملية استبدال العقول المفكرة التي اعتمدت عليها المنظمة في ما مضى، والتي نودعها تباعا.
ورغم وعود الرئيس في ختام المؤتمر بالتجديد والتشبيب، اتضح، بعد ما أزيل الستار عن تشكيلة الهيئات التنظيمية وبرامجها، مدى التشبث ببدعة التدوير والتوازن، بحيث حطمت تشكيلة الحكومة كل الارقام القياسية في عددها وفي غياب مقاييس وشروط النجاح والكفاءة، كما أُدخل الفاشلون من النافذة وفي ما تبعها من تعيينات في الخارجية ...، كما اتضح مدى الاصرار على تطبيق سياسة " ما اريكم الا ما ارى "، فكان المجلس الوطني، إحدى ركائز الدولة واهم مكاسبها ووجهها الحضاري، اول ضحية في محاولة لتقزيم دوره في الرقابة والمحاسبة. وهكذا خيم الارتباك والحيرة والجمود من جديد على الوضع، وبقيت دار لقمان على حالها، وزادتها جائحة كورونا تعقيدا والله وحده يعلم ماذا ستكون عليه الأوضاع فيما بعد هذا الوباء.
ما يقارب من اربعة اشهر تنقضي على المؤتمر الخامس عشر دون ظهور بوادر لتحريك ساكن فيما يتعلق بكسر حالة الجمود التي يشهدها كفاحنا التحريري وخلق الدينامية التي يتطلع لها أبناء وبنات شعبنا. ويظل قرار الجبهة، نهاية شهر اكتوبر الماضي، بمراجعة تعاطيها مع عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة برمتها، حبرا على ورق مادامت لم تتخذ إجراءات على أرض الميدان. ويبدوانه عوضا عن ذلك، رحنا نلهث وراء تعيين مبعوث جديد للأمم المتحدة وكأنه يمتلك خاتم سيدنا سليمان. الشهيد امحمد خداد، اكثر العارفين بخفايا هذا الملف، أقر في وصية له سربت بعد رحيله، وبما لا يترك مجالا للمغالطة ب "فشل الأمم المتحدة في تنظيم استفتاء تقرير المصير" وب "تحامل الهيئة الاممية على البوليساريو" وب" سعي حلفاء المملكة المغربية لفرض الأمر الواقع ووضع القضية في طي النسيان"، ليحمل الفقيد المسؤولية في آخر كلامه للأجيال من اجل رفع التحدي.
وفي ظل ضعف الاداة المسيرة لشأننا العام وغياب رؤية واضحة للوضع وضبابية التوجه العام ، فلا غرابة ان تكون القرارات هي الأخرى دون المستوى، الشيء الذي سيزيد من المخاوف على مستقبل قضيتنا مما قد يترتب عنه ارتفاع في الاصوات والاحتجاجات المعارضة للسياسات المتبعة. ومن ضمن المخاوف الكبيرة أن يصل الحال بالبعض إلى المساومة على التمثيل الوحيد للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب للشعب الصحراوي والتفاف هذا الأخير حولها الذي كان السر في نجاحاتنا المحققة، والدخول في صراع صحراوي-صحراوي، لا قدر الله، لنقدم للعدو هدية على طبق من ذهب لطالما حلم بها.
وقبل فوات الأوان، على ساستنا الاحتكام للعقل وللمنطق ووضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وذلك بالعودة وبتواضع الى الجماهير مكمن ومصدر القوة، في وقفة مع الذات، من أجل الاقدام على معالجات من شأنها استعادة ثقة شعبنا وانتشالنا من حالة الوهن والموت البطيء وأحراز التقدم المطلوب وتفويت الفرصة على الأعداء. ان النجاح يكمن في المحافظة وحدة وتماسك شعبنا، ثم في أحداث نقلة نوعية في الواقع المعاش بما يضمن التفاعل مع المستجدات ومواكبة العصر، وذلك لن يتأتى حتما الا بالإبداع في أساليب الكفاح وحسن توظيف واستثمار قدرات وطاقات شعبنا الخلاقة.
الديش محمد الصالح
17 ابريل 2020
