امحمد في أربعينيته. نفحات الميلاد:
يكتبها محمد أسلامة الداهي.
العام 1952/1951، والأرض أرض تيرس الفاتنة التي لا تخضب سهوبها وقمم جبالها الشماء بغير دماء أبنائها الزكية وهي تنافح عن حياضها. بارود مقاومة تجريدات المستعمر وحملاته العسكرية لا تزال تزكم الأنوف وكأنها تنبعث من باطن الأرض أو تنزل من قمم الجبال.
عند سفح "گلب الكابو" إلى الجنوب من بير ميجك ضرب خداد ولد حبوب، وبقية رجال الحي، خيمهم، فعلى أديم هذه الأرض يطيب المقام.
مع غروب شمس كل ليلة كان يتسلل صبية الحي/لفريگ إلى إلى خيمة الجدة أمتو منت محمد الخليل، يتحلقون حولها ويطالبونها بسرد قصة من قصص أولئك الرجال الذين مرغوا أنف "النصارى" في الوحل. ورصيد أمتو من تلك الأحداث والملاحم لا ينضب.
يطرب الصبية سماع بطولات هؤلاء الرجال، يستشعرون بحضورهم. تدب فيهم قشعريرة هي مزيج من رهبة وإعجاب. يكادون يرون بأم أعينهم الأسد أعلي ولد ميارة عزري ميجك وأحمد الحمادي وحادثة مقتل فرسه واسماعيل ولد الباردي وإقدامه. يكادون يتمثلون، في ابتهاج، حنكة و دهاء جد أمتو، محمد الخليل، الذي دوخ الفرنسيين وأربك حساباتهم. ومع روايات أمتو تأسر الصبية الدهشة وهم يستمعون بشغف لمغامرات وغارات الدخيل ولد مبارك على غريمه أحمد لمحمد و "حلته".
يكاد يمر العام و صبية الحي على جري عادتهم ينسلون فرادي و جماعات من خيمهم والوجهة أمتو. يتحلقون حولها وفي الأعين يتراقص رجاء أن تستطرد رواية لم تكن قد انتهت البارحة. لكن أمتو هذه المرة، على غير عادتها، منشغلة بحدث جلل والقلق يمزقها فابنتها قد دخلت حالة المخاض.
بعد ساعات يتصاعد بكاء طفل يمزق هدوء الحي ويشق عنان السماء. ويحتفل كل أهل لفريگ بمقدم الوافد الجديد الذي سيختار له أبوه خداد من الأسماء امحمد على إسم أخيه. وهو يتمنى في قرارة نفسه أن يجمع ولده البكر بين إقدام جده لحبيب ولد أحمد بابا ولد موسى وبين حنكة ودهاء جده لأمه محمد الخليل. تلك أمنية تقاطع فيها مع الجدة أمتو.
في المقبل من أيام امحمد سيكون أبوه خداد و جدته أمتو أهم محورين تدور حوله تفاصيل حياته. حياته التي تشكلت متأثرة بمناقبهما و بالقيم التي آمنا بها.
أما حكايا الجدة أمتو فلم تكن لتنتهي، فبطولات أعلي ول ميارة و اسماعيل ول الباردي و أحمد الحمادي وابراهيم السالم ول ميشان و وجاهة و لعروسي والبشير إبنا باب حمو وغيرهم ممن منحوا دمهم الزكي خضابا لأرض تيرس، تلك ملامح لم تكن لتنتهي بارتقائهم شهداء، بل أن ميلاد كل طفل من أصلابهم سيكون امتدادا لتلك الأمجاد ما دام أديم الأرض و سماؤها و آبارها و سهوبها وجبالها تبوح بسر الشموخ.
وهكذا كان امحمد على موعد مع القدر، إذ رأى النور في أرض تيرس الملاحم وترعرع وذكرى رموز خالدة ارتقت عقودا قبل مولده تملأ كل كيانه وكانت مناقبهم وسيرهم الخالدة هي كل زاده في رحلته نحو قمم الخلود.
اللهم أنزل على امحمد خداد موسى، شهيد القضية والشعب، شآبيب رحمتك و عزائم قدرتك.
# يتبع