وكالة الانباء المستقلة | يوليو 05, 2020 |
مقالات
السكوت عن الفساد... فساد
محاربة الفساد والفاسدين لا تقل أهمية وخطورة عن محاربة الاحتلال بل إنهما وجها عملة واحدة . لا نقصد بالفساد هنا الأوجه الاجتماعية والسياسية من الفساد التي توجد بدرجة أو أخرى في كل المجتمعات،حيث يوظف مسئولون مواقعهم ومراكزهم الرسمية لجني مكاسب وامتيازات من المال العام أو من المواطنين بالابتزاز أو مقابل خدمات غير قانونية، أو تزوير الانتخابات الخ، فهذه الأشكال من الفساد وبالرغم من خطورتها فإنها نادرا ما تُهدد وجود الدولة واستقلالها. ما نقصده هنا هو الفساد المالي والسياسي لمسئولين في مراكز حساسة في النظام السياسي الصحراوي حيث ما زال الشعب الصحراوي خاضعا للاحتلال، إنه فساد أشخاص ونخب متواطئة مع الاحتلال بطريقة مباشرة أو غير مباشرة مما يجعل الفساد والسكوت عنه، من القادرين على التصدي له، خيانة وطنية .
الفاسدون مثلهم مثل الاحتلال يحاولون تتفيه وشخصنة الأمور حتى يفرغوها من مضمونها الوطني، لأنهم لا يؤمنون بشيء يسمى (وطني) وينظرون بازدراء للشعب ولقواه الوطنية .
فعندما يكتب المثقف أو يبدع في أي مجال من مجالات تخصصه موظفا تجربته الشخصية، فهذا لا يعني أن الدافع للكتابة شخصي فقط، وإلا لاعتبرنا مثلا أن كل من ينتقد وزارة الخارجية إنما يكتب كردة فعل على فشله أن يكون سفيرا أو لأنه يريد منصبا في وزارة الخارجية، واتهام مَن يكتب منتقدا الاعتقالات بأن دوافعه شخصية لأنه كتب بعد تعرضه للاعتقال، واعتبار كل مَن ينتقد النظام مدفوعا بدافع شخصي لأنه يرفض تعينه اوتعيين ابن عمه كما يقول البعض او انه مدفوع من الاحتلال فهذا كله ضعف وقلة فهم مقصود .
المثقف والمبدع جزء من المجتمع ويعاني كما يعاني أبناء المجتمع، والوظيفة الاجتماعية النقدية والأخلاقية للمثقف تفرض عليه أن ينوب عن أبناء شعبه الذين يشاطرونه نفس المعاناة ومروا بنفس التجربة ولكنهم لا يستطيعون إيصال صوتهم للرأي العام ولأولي الأمر.
قد تنطلي حيِّل وأكاذيب الفاسدين على البعض من المواطنين، كما قد يسكت كثير من المواطنين البسطاء، لقلة حيلتهم، عن فساد الفاسدين، ولكن الغريب أن من يقولون أنهم قادة المشروع الوطني وحُماة الوطن ولا يتركون مناسبة إلا ويزعموا أنهم ضد الفساد والمفسدين، هؤلاء يتعاملون بحذر وتردد مع الفساد والفاسدين حتى داخل مؤسسات السلطة التي تُحسب عليهم، الأمر الذي يطرح تساؤلات إن كان الأمر عجزا أم تواطؤا ومشاركة في الفساد؟ .
لا يكفي أن ينفي بعض المسؤولين امام المؤتمرين عن أنفسهم تهمة الفساد، بل المطلوب منهم أن يحاربوا الفساد، فالساكت عن الفساد فاسد أيضا (الساكت عن الحق شيطان اخرس)، وإن لم يستطيعوا التصدي لفاسدين لاعتبارات سياسية ومصالح وعلاقات مُعقدة، فعلى الأقل من الواجب عليهم مناصرة مَن يواجه الفساد والفاسدين، ليس من منطلق الدفاع عن شخص بل لحماية حرية الرأي والتعبير، وحتى لا يُشجع سكوتهم الفاسدين على مواصلة فسادهم وتفسير سكوتهم بأنه شرعنة للفساد والفاسدين .
يزعم البعض ولتبرير سكوتهم عن الفاسدين،أنه لا توجد وثائق وأدلة مؤكدة على وجود الفساد، وهو عذر أقبح من ذنب. فإن كانت القيادات والمسئولون الكبار لا يجرؤون على فتح ملفات حول شبهات فساد وخصوصا في مؤسسة حساسة ،خوفا أن يخسروا التسهيلات والامتيازات التي يوفرها لهم الفاسدون مع أنها حق لهم وليس مِنَّة من المؤسسة ، فلا ينتظروا من المواطن المقهور الذي ترتبط حياته بتصريح للخروج من تندوف للعلاج أو العمل أو الدراسة أو التجارة أو الخروج الى الاراضي المحررة التي اصبح الوصول اليها كطلب تاشيرة الى الخارج .. الخ، لا يُنتظر من هؤلاء أن يواجهوا الفاسدين ويتحدثوا علنا عما يعرفوا وعما تعرضوا له من ابتزاز، وخصوصا أن المواطنين لا يثقون بأن الحكومة والسلطة والمنظمات الحقوقية يمكنها،أو ترغب، بحمايتهم وإنصافهم إن عاقبهم الفاسدون بحرمانهم من السفر أو إعاقة حصولهم على تعويضات لخسائرهم التجارية او العملية لاسباب كاسباب وباء كورونا مثلا كما أن الحديث لا يقتصر على الحوافز بل عن كل ما يتعلق بقضايا الإعمار وحركة المعابر وغيرها.
هذه رسالة نوجهها أيضا لوزارة العدل والشؤون الدينية وكل من يدعي انه يدافع عن الفساد ، فحتى لا يتحول وتتحول مؤسسات الجبهة والدولة (لشاهد زور) على ما يجري من فساد،نتمنى عليهم ألا يجلسوا وينتظر من المواطنين أن يأتوا لهم ليقدموا شكواهم من الفساد والفاسدين، إن لم يؤمنوا لهم الحماية من سطوة ونفوذ الفاسدين . هذا إذا كانت مؤسسات الجبهة والدولة ما زالت ضمن المجال الجغرافي والسياسي والقانوني لمكافحة الفساد !
ما يلاحظه المواطنون في الأيام الاخيرة من ضبابية في المشهد السياسي ولكن يجب الحذر أن يكون ذلك في إطار اصطناع زوبعة في فنجان للزعم بأن السلطة استجابت لحالة التذمر الشعبي مما يجري خلف الكواليس . قد تعود الأمور أسوء مما كانت إن لم تتم محاسبة أو إزاحة كبار المسئولين في الفساد ، فهؤلاء الخصم وليسوا الحَكم، ومن المهزلة المطالبة بأن تُرفع لهم شكاوى المواطنين للبث فيها.
بقلم: سعدبوه بلة المحجوب