عنتريات المغرب في التعامل مع المانيا
ليس غريبا ما يقوم به المغرب بين الحين والاخر في تعامله مع الدول والمنظمات القارية والدولية من تصرفات صبيانية بعيدة كل البعد عن قاموس واسس التعامل في العلاقات الدولية والاعراف الدبلوماسية واحترام التقاليد والبروتوكولات المعهودة، والاكثر غرابة ان يتعامل المغرب مع دول لا تكاد تراه بالمجهر وتعتبره من الدول النامية التي تحتاج للمساعدة والرعاية في طريق النمو المؤسساتي واحترام الحقوق والحريات والخروج من وضعية التخلف ولهذا تقدم المانيا مساعدات مالية معتبرة بشكل سنوي
للمغرب كبلد فقير ويحتاج المساعدة التي يتلقاها من عديد الدول التي تصنفه في ذات الخانة، بخلاف طبعا المساعدات التي تقدمها الانظمة الخليجية ضمن التضامن البيني في حماية الانظمة الملكية وضمان ديمومتها بشكلها الاستبدادي في العالم العربي.
النظام المغربي له تجربة عتيدة في ابتزاز اوروبا بملفات الهجرة والارهاب وامتداده كمحمية لفرنسا في القارة الافريقية ستشكل جزء من لغز قطع العلاقات مع السفارة الالمانية بالرباط.
فالمانيا التي تبحث عن دور فاعل في قيادة اوروبا ونفوذ اكبر في افريقيا والعالم اصبحت تهدد مصالح فرنسا التي تأثرت بالنفوذ الالماني المتزايد خاصة بعد تقهقر باريس في ليبيا وسوريا ومنطقة الساحل والصحراء وفقدان مواقع ظلت تعتبرها مناطق نفوذ خاضعة لها ومن تجليات ذلك اقصاء حليفها المغرب من محادثات برلين التي جمعت كل الشركاء ودول الجوار الليبي دون اعتبار لمحاولات الرباط السابقة في جمع الفرقاء الليبيين للتوصل لحل للازمة التي كانت فرنسا جزء اساسي فيها بتسليح المعارضة واسقاط نظام القذافي عسكريا وتسليمه للمعارضة، لكنها فقدت اي دور مؤثر بعد دخول لاعبين جدد لعلى ابرزهم تركيا التي تدعم حكومة الوفاق المعترف بها افريقيا ودوليا وهو ما يؤجج الازمة الحالية بين انقرة وباريس.
ومن اسباب الازمة التي افتعلتها الرباط مع المانيا الاتحادية ايضا رفض برلين لإعلان ترامب الذي يعترف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية المحتلة مقابل التطبيع مع الكيان الصهيوني ووصفه بالمارق عن الشرعية الدولية وطلب جلسة لاول مرة في تاريخها لمجلس الامن للرد على الخطوة الامريكية والخروج باستنتاج ان القضايا الدولية المتعلقة بالامم المتحدة لا تحكمها المواقف الفردية وقد توج التحرك الالماني السريع باستصدار قرار جماعي لمجلس الامن يتبنى معالجة القضية الصحراوية ضمن قرارات ولوائح الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي ومواصلة جهود التسوية التي تضمن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
تبقى اسباب اخرى تتعلق بالضغط الالماني في اتجاه احترام الحقوق والحريات في المملكة المغربية واطلاق سراح معتقلي الراي ورفع القيود عن حرية التعبير والعمل الحقوقي.
عنتريات المغرب مع الوحدة الافريقية
حاول المغرب الضغط على منظمة الوحدة الافريقية بانسحابه منها سنة 1984 فور قبول عضوية الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، لكن الافارقة تركوه وعنترياته حتى يستوعب انه خارج عن الاجماع والتوجه الموحد لقارة ذاقت ويلات الاستعمار والتسلط والاستبداد وهي تصارع من اجل سيادتها على قرارها ومواردها الطبيعية، ليعود نظام المخزن بعد قطيعة دامت 32 عاما، لم يكسب منها سوى تعميق عزلته القارية فوجد في شروط الميثاق التأسيسي للاتحاد الافريقي واعترافه بالجمهورية الصحراوية كاحد اعضائه احلى الخيارات المرة.
علق المغرب علاقاته مع دول اعترفت بالجمهورية الصحراوية واحتج على بعضها ثم مارس عنترياته مع دول ذات وزن وتأثير في المسرح الدولي مثل قطع علاقاته مع ايران مقابل الدعم السعودي الامراتي ونفس الشي مع سوريا وليبيا والسعي في تصنيف حزب الله حركة ارهابية بايعاز من السعودية وتدخله في اليمن قبل جره لاذيال الهزيمة وسقوط طائراته على يد جماعة الحوثي وتقاعس حلفائه الخليجين عنه بسبب هروبه المبكر من الحرب وابتزازهم بزيارة قطر وتأييدها امام الحصار الخليجي وارسال مساعدات شكلية مقابل مشاريع استثمارية ومساعدات مالية من نظام الحمدين.
ركوب موجه الاسلاميين في "الربيع العربي"
كما هو معروف ان الاحزاب الموجودة اليوم في المغرب كلها تم تشكيلها من قبل الحسن الثاني ومخابراته واختيار عناصرها المؤسسة وقياداتها لتأثيث المشهد السياسي ومحاولة مغازلة الغرب وباقي دول العالم بتعددية حزبية لها رايها ووجودها في الحكومة والبرلمان ومن خلالها مكن القصر للاستبداد والتحكم في الثروة والقرار بكل مستوياته.
مع الاشارة طبعا للتيارات التي كانت نتاج نضال طويل للحركة الوطنية في مختلف الدول العربية ومن بينها على سبيل المثال في المغرب تيار اليسار وحركة الى الامام وجماعة العدل والاحسان المحظورة وهي الطبقة المعارضة التي لم يعترف بها النظام الملكي وارتكب في حقها مجازر يندى لها الجبين ولا تزال الى اليوم تواجه الاستبداد ومخلفات هذا النظام رغم البطش وضيق هامش نضالها.
ويعتبر النظام الملكي بالمغرب من اكثر الانظمة خبرة في تأسيس الاحزاب والكيانات التي تؤدي مهامها طبقا لما يرسمه القصر لا ما ترفعه من شعارات وهو ما سنكتشفه مع تيار العدالة والتنمية الذي اختير له الوقت المناسب لتسلق السلطة وتسليمه مقاليد الحكومة لمواجهة حركة 20 فبراير وعاصفة الربيع العربي التي انطلقت للتعبير عن مدى الحرمان والبؤس الذي تمر به الدول العربية في ظل انظمة شمولية استبدادية وقد وجدت هذه الثورات في شعارات الاسلاميين تطلعات الشعوب في العدالة والكرامة الانسانية فكان النظام الملكي قد جهز القالب المناسب وقدم حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الاسلامية والامتداد الحركي لجماعة الاخوان المسلمين، التيار الذي صعد في تونس ومصر وتركيا ورافقه الاعلام القطري الجناح الاعلامي لثورات الربيع العربي وتقاطع ذلك مع مخطط الرئيس اوباما في اعادة رسم الخارطة العربية من جديد ودعم الفوضى الخلاقة لإزاحة الانظمة بالقوة.
المهم لدى النظام الملكي بالمغرب ان يكون النموذج المناسب لصد اي محاولة من شانها تحريك اركانه جاهزا، خاصة انه وجد في نهر الاسلاميين مالم يجده في بحر الاحزاب المدجنة الاخرى والتابعة للقصر فحكومة العدالة وتنمية ابدعت في اظهار الولاء والطاعة العمياء للقصر بتبرير استيراد الخمور وتشجيع السياحة الجنسية ورصد اموال طائلة لقطاعها وتوقيع اتفاق التطبيع المهين مع الكيان الصهيوني وها هي اليوم تقنن زراعة واستخدام الحشيش لتجاوز الازمة المالية الخانقة والتي تهدد العرش الملكي وقد تجردت من كل شعاراتها الرنانة وادبياتها الحزبية في سبيل إرضاء الملك ونظامه المستبد.
بقلم : حمة المهدي
