-->
وكالة الانباء المستقلة | سبتمبر 18, 2026 |

حين يتحول الإعلام من أداة للمرافعة إلى ساحة لاستنزاف الجبهة الداخلية

  


لا خلاف في أن الإعلام سلاح ذو حدين؛ فهو قادر على أن يكون أداة للبناء وتعزيز الوعي وتحصين المجتمع، كما يمكن أن يتحول، حين يُساء استخدامه، إلى وسيلة للهدم وإثارة الفتن وتمزيق النسيج الاجتماعي ومع الثورة الرقمية والتوسع الهائل في استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، لم يعد الإعلام حكراً على المؤسسات والمتخصصين، بل أصبح كل فرد قادراً على إنتاج المعلومة ونشرها والتأثير في الرأي العام، وهو تطور أتاح فرصاً واسعة، لكنه فتح في الوقت نفسه أبواباً لمخاطر جديدة.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة في مجتمع محدود العدد وسريع التأثر بما يتداول في الفضاء الافتراضي، حيث يمكن لشائعة واحدة أو معلومة مجهولة المصدر أن تتحول خلال ساعات إلى قضية رأي عام، وأن تنتقل من العالم الافتراضي إلى الواقع الاجتماعي، بما تحمله من آثار يصعب احتواؤها لاحقاً.

لقد بات واضحاً أن بعض المنابر الافتراضية لا تكتفي بطرح الرأي أو ممارسة النقد، وإنما تنخرط في حملات تحريض وتحريض مضاد، وإعادة إنتاج خطاب قبلي، وتوزيع الاتهامات والتشكيك في النوايا، بل والذهاب أحياناً إلى انتهاك الخصوصيات والتشهير بالأشخاص والأسر واستهداف مؤسسات الدولة. وهذه الممارسات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد خلافات عابرة على مواقع التواصل، لأنها تمس في جوهرها السلم الاجتماعي وتستهدف الثقة بين أبناء المجتمع ومؤسساته.

وفي ظل استمرار المعركة الوطنية ضد الاحتلال المغربي، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يجوز أن تتحول ساحات التواصل الاجتماعي إلى جبهات يستنزف فيها الصحراويون بعضهم بعضاً، بينما يفترض أن تكون هذه المساحات أدوات للمرافعة عن قضيتهم الوطنية وتعريف العالم بحقوق شعبهم؟

إن الانشغال المفرط بالصراع الداخلي، مهما كانت أسبابه، يحمل في طياته خطراً استراتيجياً، لأنه ينقل مركز اهتمام المجتمع من القضية الأساسية إلى خلافات بينية، ويجعل الرأي العام منشغلاً بذاته بدلاً من توجيه طاقته نحو مواجهة الاحتلال والدفاع عن حق الشعب الصحراوي في الحرية والاستقلال.

الاختلاف لا يعني القطيعة
إن بناء مجتمع متماسك لا يعني إلغاء الاختلاف، بل يعني امتلاك القدرة على إدارته بصورة حضارية وسياسية. فالصحراويون ليسوا مطالبين بأن يتطابقوا في آرائهم ومواقفهم من قضايا التسيير وإدارة الشأن العام، لكنهم مطالبون بالحفاظ على القواسم الوطنية المشتركة التي تجمعهم.
ومن هنا تبرز ضرورة إعادة النظر في خطاب التخوين والعمالة والخروج من الصف، خصوصاً حين تستخدم هذه المفردات بصورة عشوائية ضد كل من يختلف في الرأي أو ينتقد أداء مؤسسة أو مسؤول.

فالوطنية ليست ملكاً لفرد أو جماعة، ولا ينبغي أن تتحول إلى شهادة تمنح لهذا وتسحب من ذاك. كما أن الاختلاف في الرأي والتعبير لا ينبغي أن يصبح سبباً لإخراج الإنسان من محيطه الوطني والاجتماعي.

والأصل أن تبقى أبواب الحوار مفتوحة أمام الجميع، وأن يكون الهدف هو استعادة كل الصحراويين إلى حضن قضيتهم، وليس دفعهم بعيداً عنها وحتى من اختار الطريق الخطأ، ينبغي أن تظل أمامه إمكانية المراجعة والعودة، لأن المجتمعات التي تواجه تحديات مصيرية لا تبني قوتها بالإقصاء، وإنما بقدرتها على استيعاب أبنائها وجمعهم حول الأهداف الكبرى.

لا يمكن مواجهة الفتنة بفتنة أخرى
إن مواجهة الشائعات والتحريض لا تكون بإنتاج شائعات مضادة، ولا يكون الرد على التشهير بتشهير آخر، ولا تُحمى المؤسسات بتحويلها إلى كيانات فوق النقد والمساءلة.
المطلوب هو العودة إلى منطق الدولة والقانون والمؤسسات والاستناد الى المعلومة الصحيحة في مواجهة المعلومة الكاذبة، والحجة في مواجهة الادعاء، والقانون في مواجهة التجاوز.
وهنا تتحمل الدولة مسؤولية أساسية في طمأنة الرأي العام وتوفير المعلومات الضرورية حول القضايا التي تشغله، لأن الفراغ المعلوماتي هو البيئة المثالية لنمو الشائعة.

فحين تغيب المعلومة الرسمية، تظهر عشرات الروايات البديلة، وحين تتأخر المؤسسات في توضيح موقفها، يصبح المجال مفتوحاً أمام مصادر مجهولة لتقديم نفسها باعتبارها صاحبة الحقيقة.

لذلك فإن خروج الدولة من حالة الصمت في القضايا التي تهم الرأي العام وتمس الاستقرار الاجتماعي لا يعني الدخول في سجالات مع المنصات، وإنما يعني ممارسة مسؤوليتها في التوضيح والتحقيق والمساءلة.

الدولة مطالبة بحماية مؤسساتها وتطبيق القانون
إن حماية مؤسسات الدولة ليست خياراً ثانوياً، لأن المؤسسات العامة ملك للمجتمع كله، والاعتداء عليها أو محاولة اختراقها أو التشكيك فيها بصورة ممنهجة يضر بالمجتمع قبل أن يضر بالسلطة.
لكن حماية المؤسسات لا تعني إعفاءها من النقد، بل تعني بناء علاقة سليمة بين المؤسسة والمواطن تقوم على القانون والشفافية والمساءلة.
وفي الحالات التي توجد فيها شبهات جدية حول أعمال تستهدف أمن المجتمع أو تحرض على العنف أو تمس الأعراض والخصوصيات أو تستهدف مؤسسات الدولة، فإن الطريق الطبيعي هو التحقيق الجدي والمحايد، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، ثم تطبيق القانون على كل من تثبت مسؤوليته، بصرف النظر عن موقعه أو صفته.

إن العدالة التي تطبق على الجميع هي التي تعزز ثقة المواطن في الدولة، أما الانتقائية في تطبيق القانون فإنها تفتح أبواباً جديدة للشك والاحتقان.

استعادة المبادرة الإعلامية
لقد أصبح من الضروري إعادة التفكير في وظيفة الإعلام الوطني في المرحلة الراهنة.
فالإعلام لا ينبغي أن يظل في موقع رد الفعل، ينتظر الشائعة حتى يرد عليها، أو الأزمة حتى يتناولها، أو الحملة حتى يحاول احتواء آثارها.
المطلوب إعلام يبادر ويشرح ويقنع ويوثق ويخاطب المجتمع والعالم في الوقت نفسه.
وينبغي أن تتحول شبكات التواصل الاجتماعي من فضاءات تستنزف فيها الجبهة الداخلية إلى ساحات للمرافعة الوطنية، من خلال تقديم المحتوى الذي يعرف بالقضية الصحراوية، ويوثق الانتهاكات المغربية في الأراضي المحتلة، ويشرح المواقف السياسية، ويرد على التضليل بالمعلومة، ويخاطب الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها.
وهذا يتطلب إعلاماً مهنياً، سريعاً، متعدد اللغات، قادراً على التحقق من المعلومات، وعلى فهم طبيعة الحرب الإعلامية الحديثة التي لم تعد تعتمد فقط على المقال أو البيان، وإنما على الصورة القصيرة والفيديو والتعليق والوسم والحسابات المؤثرة.

إعادة الاعتبار للتنظيم السياسي
إن جزءاً من المشكلة يكمن أيضاً في تراجع حضور الأدوات السياسية والتنظيمية في الحياة اليومية للمجتمع، الأمر الذي يترك فراغاً سرعان ما تملؤه منصات افتراضية مجهولة.
فحين يشعر المواطن أن المؤسسات السياسية بعيدة عن النقاش اليومي، يبحث عن مصادر بديلة للمعلومة والتعبير، وقد يجد نفسه أمام صفحات تنتحل أحياناً صفة التنظيم أو تتحدث باسمه وتوزع شهادات الوطنية وتطلق الاتهامات.

ولهذا فإن إعادة الاعتبار للتنظيم السياسي لا تعني فقط زيادة الاجتماعات والأنشطة، بل تعني أن يكون التنظيم حاضراً في قضايا المجتمع، قريباً من المواطنين، مستمعاً إلى انشغالاتهم، وقادراً على تفسير المواقف والسياسات وفتح قنوات للحوار.
إن التنظيم الذي يترك فراغاً في المجتمع يترك بالضرورة مساحة لآخرين كي يشغلوها.

المؤتمر وفرصة استعادة الثقة
وفي هذه المرحلة، ومع الاستعداد للمؤتمر الشعبي العام السابع عشر، ينبغي النظر إلى هذه الإشكالات باعتبارها جزءاً من النقاش الوطني حول مستقبل المجتمع والمؤسسات.
فالمؤتمر لا ينبغي أن يكون مجرد محطة تنظيمية لتجديد الهياكل، بل فرصة لإعادة بناء الثقة، ومراجعة آليات إدارة الاختلاف، وتعزيز حضور المؤسسات، وفتح مساحات أوسع أمام النقاش السياسي المسؤول لتحقيق الأهداف والغايات التي يطمح إليها الشعب الصحراوي وفي مقدمتها دحر الاحتلال.
كما ينبغي أن تكون هناك إرادة واضحة لمعالجة التراكمات التي غذت الاحتقان، لأن ترك القضايا دون معالجة لا يلغيها، وإنما يدفعها إلى الظهور في أشكال أكثر حدة، وقد تنتقل من النقاش السياسي إلى الصراع الاجتماعي.

نحو حوار وطني واسع
إن تجاوز الوضع الراهن يحتاج إلى مبادرة وطنية للحوار، يشارك فيها السياسي والمثقف والإعلامي والشاب والمرأة والفاعل الاجتماعي، بعيداً عن منطق التخندق والاتهام.
الحوار ليس تنازلاً عن المبادئ، كما أن الاستماع إلى المختلف لا يعني تبني موقفه.
بل إن قوة أي مشروع وطني تقاس بقدرته على استيعاب الاختلاف وتحويله إلى مصدر قوة وتجديد.
ومن المهم أن تستعيد النخب دورها في نشر ثقافة التسامح، والتقريب بين أبناء المجتمع، ومحاربة النزعات القبلية، وإعادة الاعتبار لقيم المجتمع الصحراوي النبيلة ولمبادئ الثورة المظفرة وأهدافها الوطنية.

الوحدة الوطنية ليست شعاراً
الوحدة الوطنية لا تتحقق بمجرد ترديد الشعارات، وإنما ببناء بيئة يشعر فيها المواطن أن كرامته مصونة، وأن القانون يحميه، وأن صوته مسموع، وأن الاختلاف معه لا يجعله عدواً.
وإذا كانت القضية الوطنية هي الإطار الجامع للصحراويين، فإن الحفاظ عليها يقتضي الحفاظ على الإنسان الصحراوي نفسه، وعلى كرامته، وعلى علاقته بمجتمعه وقضيته.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع يخوض معركة تحرر هو أن يتحول أبناؤه إلى خصوم دائمين لبعضهم البعض، وأن تصبح ساحاتهم الداخلية أكثر اشتعالاً من جبهتهم الأساسية.
ولهذا فإن الأولوية اليوم هي استعادة التوازن، نختلف دون أن نتفكك، ننتقد دون أن نشهّر، نحاسب دون أن ننتقم، ونحمي مؤسساتنا دون أن نضعها فوق المساءلة.
فالانتصار في المعركة الوطنية لا يحتاج فقط إلى قوة السلاح والموقف السياسي والدبلوماسي، بل يحتاج أيضاً إلى جبهة داخلية متماسكة، وإعلام مسؤول، ومؤسسات قوية، وقانون عادل، ومجتمع قادر على احتواء أبنائه.
وفي النهاية، فإن أفضل مواجهة للفتنة ليست المزيد من الفتنة، وأفضل مواجهة للتشهير ليست التشهير المضاد، وأقوى رد على محاولات تفكيك المجتمع هو بناء مجتمع أكثر ثقة بنفسه، وأكثر تمسكاً بقضيته، وأكثر قدرة على إدارة خلافاته بالحوار والقانون.

فالقضية التي تجمع الصحراويين أكبر من خلافاتهم، والمستقبل الذي ينتظر الأجيال القادمة يستحق أن يسمو الجميع فوق الصغائر، وأن تُصان الكلمة، وتُحفظ الكرامة، وتُفتح أبواب الحوار، وتُعاد توجيه الطاقات نحو المعركة الوطنية الأساسية ومواجهة العدو الغازي وتحقيق الحرية والاستقلال.

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *