وكالة الانباء المستقلة | سبتمبر 17, 2026 |
على هامش الدخول الاجتماعي والسياسي والدبلوماسي: نحن ومفردات الخطاب
على هامش الدخول الاجتماعي والسياسي والدبلوماسي الذي نعيشه اليوم، تبرز مسألة لا تقل أهمية عن غيرها من قضايا العمل الوطني، وتتعلق بمفردات الخطاب والمفاهيم والمصطلحات والتسميات التي نستخدمها في تناول قضيتنا الوطنية، وفي مخاطبة الرأي العام الداخلي والخارجي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى متابعة وتحديث قاموس المفاهيم والمصطلحات والتسميات والمسميات، وفق رؤية وطنية واضحة: من بيده المقود؟ ومن يتحمل مسؤولية تدبير وهندسة المحتوى الفكري لجبهة البوليساريو، بصفتها القائد والرائد لهذه السفينة؟
ذلك يشكل، في تقديري، همزة الوصل في عمل «آلية الخطاب» ضمن أمانة التنظيم السياسي، بالتنسيق والتكامل مع بقية روافد منظومة العمل الفكري وآليات التواصل والاتصال الاجتماعية والثقافية والإعلامية، التي ينهل منها رواد المواقع ووسائل الاتصال وصناع المحتوى الذي يستهلكه الرأي العام، بل ويتشربه المجتمع ويترك بصماته في ذهنية التفكير، وفي بلورة المواقف، وفي تصور الحلول والمخارج للمعضلات والقضايا.
فخطابنا، في كثير من الأحيان، يوظف مفرداته ويستعمل مفاهيمه دون تمحيص أو مراجعة كافية.
إن استهلاك مثل هذه «البضاعة» قد يسهم، بوعي أو من دونه، في تأطير تفكير مجتمعي يستهلك بضاعة الآخرين، بل يتجاوز ذلك إلى الترويج لها وتسويقها.
وهنا يكمن الخطر: دس السم في جسد الثقافة والهوية الصحراوية، وتحويلها تدريجياً إلى ثقافة ممسوخة عن أصلها، وفصلها عن جذورها التاريخية والحضارية.
مفاهيم تحتاج إلى مراجعة
الأمثلة في هذا المجال كثيرة، وما نذكره هنا ليس سوى غيض من فيض مترامي الأطراف.
من ذلك، على سبيل المثال، القول بأن القانون الدولي بُني على منطق «المنتصر».
وهنا يبرز سؤال حق المظلوم، خاصة عندما نأخذ بعين الاعتبار أن ميثاق الأمم المتحدة صيغ في سياق دولي كانت تتحكم فيه مجموعة محدودة من القوى الكبرى، بينما غابت شعوب ودول بكاملها عن صناعة النظام الدولي الجديد، ولا تزال شعوب عديدة إلى اليوم تعاني من أشكال مختلفة من التهميش، وتدفع فاتورة التبعية، بما في ذلك على مستوى المفاهيم والحلول المقترحة لقضاياها.
ومن هنا جاء نداء حركة عدم الانحياز، والدعوة إلى صياغة مفاهيم جديدة تعبر عن كينونتها وتطلعاتها، وهو ما تزامن مع مدّ الصحوة والتحرر من الاستعمار القديم، وظهر واضحاً في الدعوة إلى إقامة نظام دولي جديد.
غير أن هذا المطلب سرعان ما خفت بريقه مع أفول زعامات بعينها، وإن ظلت الفكرة قائمة رغم الوهن الذي أصاب بعض بلدان المنشأ، نتيجة ارتباطها وجدانياً بأشخاص دون غيرهم، بل أكثر من ذلك، نتيجة تغير بعض عقائد الورثة تحت تأثير مصالح بعينها، في ظل زحف المصالح على حساب عقيدة المثل والمبادئ، كما يرى بعض النقاد.
قاموس الأمم المتحدة وقضية الصحراء الغربية
ومن المفاهيم الشائعة في قاموس القانون الدولي والأدبيات الأممية، والتي تحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق عند توظيفها، مفاهيم من قبيل «الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي» و**«الأقاليم غير المحكومة ذاتياً»**.
ذلك أن التدقيق في المصطلحات يصبح ضرورياً عندما تنتقل المفاهيم من الأدبيات الأممية إلى خطابنا السياسي والإعلامي والدبلوماسي، حتى لا تتحول الترجمة أو الصياغة المتداولة إلى مفهوم ثابت دون مراجعة دلالاته وسياقه.
وللمصطلح المتعلق بالأقاليم غير المحكومة ذاتياً حكاية وسياق تاريخي يستحقان التوقف عندهما، خصوصاً عند قراءة الفصل الحادي عشر من ميثاق الأمم المتحدة المتعلق بالأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وما رافق صياغة هذا الإطار من تأثيرات المرحلة الاستعمارية وطبيعة النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.
وقد ارتبطت بريطانيا، في تجربتها الإمبراطورية، بمنظومة الكومنولث، التي ضمت دولاً أصبحت تتمتع بحكوماتها ومؤسساتها الوطنية، مع استمرار روابط دستورية ورمزية متفاوتة مع التاج البريطاني، وفق تطورات تاريخية وسياسية متعددة.
وفي المقابل، طورت فرنسا فضاء الفرنكوفونية، وما رافقه، في حالات عديدة، من استمرار نفوذ فرنسي سياسي واقتصادي وثقافي في مستعمراتها السابقة، بما في ذلك اللغة والمؤسسات والروابط الاقتصادية والنقدية، ومن أمثلة ذلك نظام الفرنك الإفريقي CFA.
ما البديل؟
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما البديل في خطابنا السياسي والإعلامي والدبلوماسي؟
يمكن، على سبيل المثال، التفكير في توظيف مفردات أكثر وضوحاً في التعبير عن جوهر القضية، من قبيل:
«بلدان أو أقاليم غير متمتعة شعوبها بحق تقرير المصير»،
وذلك في انسجام مع المبدأ الوارد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 1514 (د-15) المتعلق بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.
فالمسألة، في حالتنا، لا ينبغي أن تختزل في مجرد وضع إقليمي أو إداري، بل ينبغي أن تستحضر دائماً جوهر القضية المرتبط بتصفية الاستعمار وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
«نزاع الصحراء الغربية» أم قضية تصفية استعمار؟
وفي السياق ذاته، يطغى في بعض الأدبيات والتصريحات توظيف عبارة «نزاع الصحراء الغربية» على حساب الإشارة إلى مسألة أو قضية تصفية الاستعمار.
وهذا التوظيف، في نظر المختصين، قد يحجب جوهر القضية ويضعها في إطار مختلف عن طبيعتها القانونية والتاريخية.
فقضية الصحراء الغربية، في جوهرها، ترتبط بمسألة تصفية استعمار وحق شعب في تقرير المصير، وما رافق ذلك من احتلال وعدوان وصراع سياسي وعسكري.
ومن هنا تأتي ضرورة الابتعاد عن لغة تساوي، بصورة آلية، بين الضحية والجلاد، أو تختزل القضية في مفاهيم من قبيل «النزاع» و«الصراع» و«طرفي النزاع» دون مراعاة الخلفية القانونية والتاريخية للقضية.
فالكلمات ليست محايدة دائماً؛ والمفردة التي نختارها قد تحدد الإطار الذي يفهم من خلاله المتلقي القضية برمتها.
نحن ومفردات المكان والذاكرة
وفي الأخير، لا بد كذلك من التفكير في اعتماد رسمي للتسميات والمسميات المتعلقة بالمعالم الجغرافية والتاريخية والثقافية الصحراوية، بما يحفظ خصوصيتها وأصالتها وأصلها.
ويتطلب ذلك العمل على توحيد طريقة رسم وكتابة هذه التسميات، وترجمتها إلى اللغات الأخرى، مع إعطاء اللهجة الحسانية وموروثها الثقافي المكانة التي تستحقها في كتابة أسماء المواقع والمعالم، واعتماد الإسبانية، عند الحاجة، كمرجعية تاريخية للترجمة إلى اللغات ذات الأصل اللاتيني، بالنظر إلى المرحلة التاريخية التي شهدت فيها الصحراء الغربية الإدارة الإسبانية.
والغاية ليست مجرد تغيير أسماء أو استبدال كلمات بأخرى، وإنما استعادة الذاكرة اللغوية والثقافية للمكان، وتحصين الخطاب الوطني من المفردات الدخيلة، ومن تلك المستمدة من قاموس الاحتلال.
فالمعركة على المفاهيم ليست أقل أهمية من المعركة على الميدان؛ لأن من يمتلك القدرة على تسمية الأشياء وتحديد مفاهيمها، يمتلك جزءاً من القدرة على صياغة الوعي بها.
ومن هنا، فإن مراجعة قاموسنا السياسي والإعلامي والدبلوماسي والثقافي، وتدقيق مفاهيمه ومصطلحاته وتسمياته، ليست ترفاً فكرياً، وإنما جزء من مسؤولية حماية الهوية الوطنية، وصيانة الذاكرة، وترسيخ الرواية الصحراوية في مواجهة محاولات طمسها أو إعادة تعريفها من خارجها.
