-->
جديد | November 06, 2019 |

الإعلام بين البناء والهدم... دعوة لحماية الجبهة الداخلية


لا شك أن الإعلام سلاح ذو حدين؛ فهو وسيلة للبناء متى أُحسن استغلاله وتوجيهه لخدمة المجتمع، كما أنه قد يتحول إلى أداة للهدم والدمار إذا أسيء استخدامه. وفي ظل التطور المتسارع لوسائل الإعلام والاتصال، وسهولة الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي، برزت مظاهر سلبية عديدة، من أخطرها ظهور صفحات ومواقع مجهولة الهوية تتحدث باسم الوطن، بينما تبث خطابا متناقضا، يزرع الشقاق ويستهدف تماسك المجتمع ووحدته.
ومن بين هذه المنابر ما يُعرف باسم "صوت الوطن"، وهو اسم لا يعكس طبيعة المضامين التي ينشرها، والتي تتسم بالتحريض، وإثارة الكراهية، والتشهير بالأشخاص، والترويج لاتهامات وقصص خيالية ومؤامرات تمس التنظيم والدولة الصحراوية دون سند واضح أو تفويض من أي جهة رسمية.
ومما يدعو إلى القلق أن هذه الظاهرة لم تواجه، حتى الآن، بموقف رسمي واضح يبين خطورتها، أو يصنفها ضمن المنابر التي تضر بالوحدة الوطنية وتستهدف السلم الاجتماعي. وقد أدى استمرارها لأكثر من عام دون ردع إلى تشجيعها على التمادي في نشر الشائعات والتأثير في الرأي العام.
وكانت آخر القضايا التي أثارت موجة واسعة من الاستنكار ما تضمنته من انتهاك لخصوصية امرأة صحراوية، في تجاوز للقيم الدينية والأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع الصحراوي المسلم والمحافظ. ولم يُنظر إلى الحادثة على أنها استهداف لشخص أو لعائلة بعينها، بل اعتُبرت مساساً بكرامة المجتمع بأسره.
إن مثل هذه الممارسات، المرفوضة شرعاً وأخلاقاً وقانوناً، أسهمت في تأجيج الاحتقان، وأطلقت موجات من التحريض والتحريض المضاد، كما أعادت إحياء الخطابات القبلية التي تجاوزها الزمن، في مشهد يخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الجهات التي تسعى إلى إضعاف الجبهة الداخلية وصرف الصحراويين عن قضيتهم الأساسية في مواجهة الاحتلال المغربي.
إن بناء مستقبل يضمن الكرامة والعدالة وسيادة القانون يقتضي ترسيخ ثقافة الحوار، وجمع شمل الصحراويين، واستيعاب مختلف الآراء، حتى أولئك الذين اختاروا مسارات خاطئة، عبر الإقناع والاحتواء، لا بالإقصاء أو التخوين أو الإساءة. فقد ظل تاريخ الشعب الصحراوي قائماً على السعي إلى الحفاظ على وحدة الصف، ولم يكن التشهير أو النيل من الكرامات وسيلة لمعالجة الخلافات.
ونظراً إلى محدودية عدد أفراد المجتمع وسرعة تأثره بما يُنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، بات من الضروري تعزيز الوعي بمخاطر التضليل الإعلامي، وعدم ترك المجال لمنابر مجهولة تستغل الأحداث لإثارة الأزمات وإرباك الرأي العام، خصوصاً في المراحل السياسية الحساسة.
ومن هنا، فإن شبكات التواصل الاجتماعي ينبغي أن تتحول إلى فضاء للدفاع عن القضية الوطنية وخدمة المصلحة العامة، وهو ما يتطلب قيام مؤسسات التأثير المجتمعي، وفي مقدمتها الإعلام، والتنظيم السياسي، والمؤسسات الدينية، بدورها في التوعية والتوجيه، بما يحصن المجتمع من الشائعات والدعاية المغرضة.

إن تجاوز الأزمة الراهنة يستدعي مراجعة آليات التعامل مع القضايا التي تشغل الرأي العام، وإعلان مواقف واضحة تجاه كل ما يمس الوحدة الوطنية أو ينتهك أعراض الناس أو يستهدف مؤسسات الدولة أو يسعى إلى بث الفتنة بين أبناء المجتمع.

وفي هذا الإطار، يمكن اقتراح جملة من الخطوات، أبرزها:

- إصدار موقف رسمي واضح يرفض المنابر التي تمارس التشهير والتحريض، مع فتح تحقيق جاد لتحديد الجهات المسؤولة عنها وفقاً للقانون.
- تفعيل دور الإعلام الوطني والتنظيم السياسي في التصدي للشائعات، وملء الفراغ الذي تستغله المنابر المجهولة.
- اعتماد الحوار وسيادة القانون أساساً لمعالجة الخلافات، بعيداً عن التحريض أو التصعيد.
- تعزيز هيبة مؤسسات الدولة، وحماية العاملين فيها، وعدم التساهل مع أي اعتداء يستهدفها باعتبارها ملكاً لجميع المواطنين.
- محاسبة كل من يثبت تورطه في أعمال تهدد أمن المجتمع أو وحدته، أياً كان موقعه، بما يعزز الثقة في مؤسسات الدولة والعدالة.
- إطلاق مبادرة وطنية للحوار تجمع مختلف مكونات المجتمع، وتستفيد من جهود النخب لترسيخ قيم التسامح والوحدة والالتفاف حول أهداف الثورة في الحرية والاستقلال.
وفي الختام، تبقى المسؤولية مشتركة بين الجميع في تجاوز الخلافات، والابتعاد عن الصراعات الجانبية، والتحلي بروح الأخوة والتسامح، وصيانة الأعراض، وحسن الظن بالآخرين، والعمل على توحيد الصف وربط الأجيال بقضيتها الوطنية، حتى يظل الأمل قائماً في مستقبل يسوده العدل والحرية والاستقلال.

بقلم: حمة المهدي

Contact Form

Name

Email *

Message *