القائمة الرئيسية

الصفحات

الصحراء الغربية تكشف وهم القوة ووهم استعارتها.. المخزن ينتحل ظل ترامب

  


من غزة التي تخيلها ركاما لمشروع عقاري، إلى غرينلاند التي طمع في ضمها، وكندا التي راودته غواية ابتلاعها؛ ها هو دونالد ترامب يحط رحاله في ملف الصحراء الغربية بذات العقلية الاستعلائية: الأرض غنيمة في ميزان الأقوياء، ومصائر الشعوب تفاصيل عابرة تتكفل الصفقات بتسويتها. هكذا جاءت المسودة الأمريكية إلى أروقة مجلس الأمن، وكأن عقودا من كفاح شعب متجذر في أرضه يمكن اختزالها في بضعة أسطر، وكأن حق تقرير المصير يسقط بقرار من رئيس أمريكي يلهو بإعادة كتابة قواعد الصراع. إنها “الترامبية” في أشد تجلياتها غرورا: الوهم المطلق بأن عنجهية القوة قادرة على تبديل التاريخ بجرة قلم. ولكن للمشهد وجها آخر أشد عبثية؛ سلطة المخزن في المغرب، التي تراهن على ترامب لتحقيق ما عجزت عقود الصراع عن حسمه، تتصرف وكأن استعارة إرادة القوة تعادل امتلاكها. وهنا تتجلى مأساة مزدوجة: مأساة “الترامبية” في وهم القدرة المطلقة، ومأساة من يتقمص ذلك الوهم محاكاة. ترامب يتصرف وكأنه يملك إعادة تشكيل العالم، والمخزن يتصرف وكأنه قادر على التلبس بعباءة ترامب. وبين وهم القوة ووهم استعارتها، تغيب حقيقة أبدية لا تستطيع أي صفقة إلغاؤها: قد يغير الأقوياء نصوص القرارات، وقد يتوهم المستقوون بهم أنهم شركاء في كتابة التاريخ، بيد أن أحدا منهم لا يملك أن يمحو بقرار من ذاكرة شعب معنى وطنه.

تحمل التجربة التاريخية الأمريكية في طياتها درسا بليغا يعجز ترامب عن استيعابه؛ فقد ولدت تلك الإمبراطورية على أنقاض الشعوب الأصلية، فكتبت فصول نشأتها بسياسات الاقتلاع والتهجير، متوهمة أن السيطرة على التراب تعني ترويض الأرواح. بيد أن نجاح الغلبة العسكرية في غصب الأرض لا يورثها أبدا صك امتلاك الانتماء. وليس في سجل التاريخ ما يضمن لترامب أن يمحو هوية إنسان ليجعله “هنديا أحمر” جديدا، أو أن يعيد إنتاج مأساة الإبادة والتهجير مع الفلسطيني في غزة، أو مع أي شعب أبت كرامته أن تركع لشهوات التوسع وأطماع الهيمنة.

وعلى الضفة الأخرى، يبرز التناقض الصارخ في استراتيجية المخزن؛ إذ يفارق منطقه السياسي كل اتساق حين يستجدي الوصاية الخارجية لفرض “سيادة” مزعومة في الصحراء الغربية، متوسلا بمنطق القوة، في الوقت الذي يتعامل فيه بمنطق الحوار والمصالح الباردة مع مدينتي سبتة ومليلية الخاضعتين للسيادة الإسبانية. أليس من المفارقة أن يرفع المرء لواء استكمال الوحدة الترابية في جبهة يشعل فيها نار المواجهة مع شعب يطلب حريته، بينما يخفت صوته ويصمت منطقه أمام جارتهم الشمالية محكوما بحسابات المهادنة ودبلوماسية الأمر الواقع؟

وتتجلى ذروة المفارقة القانونية والتاريخية في الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية يوم 16 أكتوبر 1975؛ إذ لم تجد المحكمة ما يثبت سيادة المغرب على الصحراء الغربية، وأكدت ضرورة احترام حق سكانها في تقرير مصيرهم عبر التعبير الحر والحقيقي عن إرادتهم. هنا يتهاوى الأساس القانوني للادعاءات المغربية، ليقفز السؤال الجوهري إلى الواجهة: هل تستطيع ألاعيب الدبلوماسية وظلال الصفقات أن تنشئ سيادة لم يثبتها القضاء الدولي، وأن تمنح القوى الأجنبية سلطة تقرير مصير شعب يتمسك بحقه في الحرية والاستقلال؟

 ذاكرة كولومبوس التي تطارد البيت الأبيض

وللتاريخ، الذي يريد ترامب أن يكتب فصوله الجديدة بإرادة القوة، مفارقة أخرى لا تحتاج إلى العودة قرونا إلى الوراء لاستحضارها. ففي 7 أكتوبر الجاري، أصدر الرئيس الأمريكي إعلانا رسميا للاحتفاء بكريستوفر كولومبوس، الذي ارتبط وصوله إلى الأمريكيتين ببداية مرحلة تاريخية من الغزو والاستيطان الأوروبيين، قبل 15 يوما فقط من توزيع المسودة الأمريكية بشأن الصحراء الغربية.

وتفاخر ترامب في إعلانه بإقامة تمثال لكولومبوس داخل حديقة البيت الأبيض، وتعهد بالدفاع عن إرثه التاريخي في مواجهة منتقديه. وقدمت الوثيقة الرئاسية وصول المستكشف الأوروبي باعتباره بداية لمسيرة حضارية كبرى، دون التوقف عند المآسي التي حملها التوسع الاستعماري للشعوب التي كانت تعيش على الأرض قبل وصول الأوروبيين إليها.

وبعد 5 أيام، وتحديدا في 12 أكتوبر، شهدت الولايات المتحدة مفارقة شديدة الدلالة؛ إذ أحيا البيت الأبيض يوم كولومبوس، بينما استحضرت ولايات ومدن أمريكية في التاريخ نفسه يوم الشعوب الأصلية، لتكريم المجتمعات التي واجهت الاقتلاع ومصادرة الأراضي وسياسات الاستيعاب القسري. وكان الخلاف أعمق من اختيار المناسبة التي تستحق الاحتفاء.



وفي اليوم ذاته، أصدر المؤتمر الوطني للهنود الأمريكيين بيانا شدد فيه على أن الأمم القبلية ليست بقايا من الماضي، وإنما كيانات ذات سيادة تمارس حقوقها وتحمي أراضيها وثقافاتها، وتطالب بالمشاركة في القرارات التي تحدد مستقبلها. وبعد قرون من التهجير والحروب، بقي مطلب الاعتراف بالهوية والأرض والإرادة المستقلة حاضرا.

ولم يأت هذا التذكير من المنظمات المدافعة عن الشعوب الأصلية وحدها. ففي 24 سبتمبر الماضي، قدم أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع قرار للاعتراف بيوم الشعوب الأصلية، أقر بأن الاتصال الأوروبي بالقارة الأمريكية قاد إلى القمع والاستيعاب القسري والإبادة، ودعا إلى تكريم الشعوب التي تحملت تبعات تلك السياسات.

ولم يتحول المشروع إلى قانون نافذ، لكنه كشف استمرار الجدل التاريخي داخل المؤسسات الأمريكية بشأن الرواية الرسمية لنشأة الدولة. وبين رواية تمجد المستكشفين والمستوطنين، وأخرى تستحضر حقوق أصحاب الأرض الأصليين، تبرز مسألة لا تزال آثارها قائمة في المجتمعات الأمريكية: هل تستطيع القوة محو حقوق الشعوب التي أخضعتها؟

وتعود هذه المفارقة إلى الواجهة مع المشروع الأمريكي بشأن الصحراء الغربية؛ الإدارة التي تحتفي بإرث كولومبوس، بينما يواصل أحفاد الشعوب الأصلية المطالبة بحقوقهم داخل الولايات المتحدة نفسها، تتقدم إلى مجلس الأمن بتصور يريد تحديد مستقبل شعب آخر، رغم استمرار الخلاف بشأن حقه في اختيار وضعه السياسي.

ولا تتطابق التجربة التاريخية للسكان الأصليين في أمريكا مع ظروف الصراع في الصحراء الغربية، لكن استحضارها يكشف حدود الاعتقاد بأن السيطرة على الأرض تنهي المطالب المرتبطة بها. فقد خسرت شعوب أصلية أراضي واسعة، لكنها لم تفقد هوياتها أو ذاكرتها الجماعية، وظلت تطالب بالحقوق التي انتزعتها منها سياسات التوسع.

وتلك هي المفارقة التي يتجاهلها خطاب ترامب بشأن الأراضي والشعوب، إذ لا تغير حسابات القوة من هذه الحقيقة شيئا؛ فمهما تباينت السياسات وتوالت الإدارات، قد تبدل الإدارة الأمريكية مواقفها وتحالفاتها، أو توظف نفوذها لإعادة ترتيب المعادلات السياسية، غير أن تاريخ الشعوب الأصلية داخل الولايات المتحدة يظل شاهدا حيا على استمرار المطالب الوطنية والحقوقية راسخة رغم مرور أجيال على فقدان السيطرة على الأرض.

 الترامبية تضع الشرعية الدولية في المزاد

ولا تقف دلالات هذا السلوك عند المقارنة التاريخية؛ فهي ترتبط ارتباطا وثيقا بطريقة إدارة ترامب للسياسة الخارجية، التي تمنح المصالح والصفقات مكانة تتقدم على المرجعيات القانونية والمؤسساتية. ويظهر هذا المنطق في انتقال الرئيس الأمريكي بين ملفات تتباعد جغرافيا وتاريخيا، لكنها تتصل في خطابه بإمكان إعادة ترتيب المصالح والحدود بقرارات سياسية سريعة.

وفي تصريح خاص لـ”الأيام نيوز”، اعتبر البروفيسور نور الصباح عكنوش، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة بسكرة، أن الترامبية تمثل نموذجا فكريا يتصرف خارج العقلانية القانونية للنظام الدولي، ويتجاهل القواعد المؤسساتية التي تحكم العلاقات بين الدول، وهو ما يظهر، بحسب تقديره، في المقاربة الأمريكية للقضية الصحراوية.

ويرى الباحث المختص في الدراسات الاستراتيجية والسياسية أن دوائر القرار في واشنطن تتعامل مع الصحراء الغربية بمنطق المصالح والصفقات، دون الالتزام بالمرجعيات التي تحمي حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. ويعتبر أن هذا السلوك يعبر عن توجه سياسي يتقدم فيه النفوذ الاقتصادي والعسكري على الاعتبارات التاريخية والقانونية والأخلاقية.

ويذهب عكنوش إلى وصف هذا التوجه بأنه شكل جديد من الاستعمار، يقوم على “خصخصة النظام الدولي” لصالح قوى رأسمالية تتعامل مع المؤسسات الدولية باعتبارها عائقا أمام مصالحها. وفي تقديره، تسعى تلك القوى إلى احتكار تحديد الحقوق والمصائر انطلاقا من اعتقادها بأنها تمتلك سلطة تقرير ما ينبغي أن يقبله الآخرون.

ويربط المتحدث التصور الأمريكي بشأن الصحراء الغربية بالتأثير الصهيوني في السياسة الخارجية لواشنطن، معتبرا أن التحالفات القائمة توجه الخيارات الأمريكية نحو تسوية تتجاهل الإرادة الصحراوية. ويحذر من أن هذا المنطق قد ينتج بيئة إقليمية مضطربة، لأن القوة الاقتصادية والعسكرية لا تستطيع وحدها حسم قضية تتصل بمصير شعب كامل.

ويستحضر الأكاديمي الجزائري التجربة التاريخية للأمة الأمريكية التي حصلت على استقلالها قبل أكثر من 200 سنة، متسائلا عن التناقض بين الاحتفاء الأمريكي بالتحرر من الاستعمار والتعامل مع مطالب الشعب الصحراوي بالحرية. ويرى أن تجاوز هذا التناقض يتطلب العودة إلى المبادئ التي تأسست عليها منظومة الأمم المتحدة.

ولا يحصر عكنوش المخاطر في مستقبل الصحراء الغربية، بل يربطها باستقرار المنطقة المغاربية والسلم والأمن الدوليين. ويشدد على أن احتكار دولة واحدة لتسوية الصراع، مهما بلغت قوتها، قد يضاعف احتمالات الاضطراب، لأن التسوية التي تتجاهل الحقوق الأساسية لا تعالج أسباب الأزمة، مختتما موقفه بعبارة: “فما يبنى على باطل فهو باطل!”.

وتطرح هذه المقاربة سؤالا بشأن طبيعة الدور الأمريكي داخل المؤسسات الدولية. فواشنطن لا تعلن موقفا سياسيا خارج المنظمة الأممية وحدها، بل تحاول أيضا التأثير في القرارات التي تصدر باسمها، وهو ما ينقل الخلاف بشأن الصحراء الغربية إلى مستوى أوسع يتعلق بالعلاقة بين النفوذ الدولي والقواعد القانونية.

لجنة تصفية الاستعمار تحت مقصلة واشنطن

وتقدم التطورات التي شهدتها الأمم المتحدة خلال أكتوبر الجاري مثالا على هذا التوجه، ففي 15 أكتوبر، دعت ممثلة الولايات المتحدة إلى حل اللجنة الخاصة المعنية بتصفية الاستعمار، المعروفة بلجنة الـ24، معتبرة أنها تجاوزت الغرض الذي أنشئت من أجله، وأن استمرار نشاطها يستهلك الوقت والموارد دون نتائج تبرر نفقاتها.

وتتابع اللجنة أوضاع عدد من الأقاليم التي لم تستكمل مسارات تصفية الاستعمار، وفي مقدمتها الصحراء الغربية. وقد استندت واشنطن في موقفها إلى حصول أكثر من 80 مستعمرة سابقة على عضوية الأمم المتحدة، معتبرة أن اللجنة تواصل مناقشة الملفات نفسها سنويا رغم التغيرات التي عرفها العالم.

لكن نجاح جهود تصفية الاستعمار في مناطق سابقة لا يعني انتهاء مسؤولية المنظمة الدولية تجاه الشعوب التي ما زالت تنتظر تسوية أوضاعها. وتثير الدعوة الأمريكية إشكالية تتعلق بمصير المؤسسات المكلفة بمتابعة تلك الملفات، خصوصا أن الصحراء الغربية لا تزال حاضرة على جدول أعمال الأمم المتحدة منذ سنة 1963.

وقد نقلت وكالة “أوروبا برس” الإسبانية، يوم 19 أكتوبر، الموقف الأمريكي الذي صدر خلال اجتماع اللجنة الرابعة للجمعية العامة. ومن الضروري التمييز بين الهيئتين؛ فاللجنة الرابعة تتولى مناقشة المسائل السياسية الخاصة وتصفية الاستعمار، بينما تضطلع لجنة الـ24 بمتابعة الأقاليم المدرجة ضمن الملفات الاستعمارية القائمة.

وجاءت الدعوة الأمريكية وسط نقاش أممي يتصل مباشرة بالصحراء الغربية؛ في 15 أكتوبر، صادقت اللجنة الرابعة على مشروع قرار يؤكد حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، ضمن المرجعيات التي تعتمدها الجمعية العامة لمعالجة قضايا تصفية الاستعمار، قبل أسبوع واحد من توزيع المشروع الأمريكي على أعضاء مجلس الأمن.

ويثير تقارب الموعدين سؤالا بشأن اتجاه السياسة الأمريكية داخل المنظمة الدولية، خاصة أن واشنطن تدعو إلى إنهاء عمل إحدى المؤسسات المعنية بتصفية الاستعمار، وتسعى في الوقت نفسه إلى توجيه المسار السياسي لقضية تقع ضمن اختصاصها. ولا يكفي هذا التزامن لإثبات وجود خطة موحدة، لكنه يكشف انسجاما بين موقفين يثيران اعتراضات صحراوية.

وقد تمسك ممثلو جبهة البوليساريو بالمرجعية التي تقوم عليها قرارات الجمعية العامة، معتبرين أن معالجة مجلس الأمن للجوانب السياسية والأمنية للصراع لا تستطيع إلغاء طبيعته المرتبطة بتصفية الاستعمار. وتستند الجبهة في هذا الموقف إلى ميثاق الأمم المتحدة وإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة الصادر سنة 1960.

وتبرز أهمية هذا التمييز مع استمرار الخلاف بشأن التسوية السياسية. فقرارات مجلس الأمن قد تتناول التفاوض والبعثات الأممية والوضع الأمني، لكن الجمعية العامة تحتفظ بمسار مستقل لمتابعة مسائل تصفية الاستعمار. ومن منظور البوليساريو، لا يجوز تحويل اختلاف اختصاصات الهيئات الأممية إلى وسيلة لاستبعاد حق تقرير المصير.

 ثلاثة توقيعات وغياب صاحب الأرض

سبقت المسودة الأمريكية تحركات دبلوماسية بدأت قبل أكتوبر. وتحديدا يوم 16 سبتمبر الماضي، شهدت نيويورك تفاهما ثلاثيا بين الولايات المتحدة والمغرب والكيان الصهيوني، بحضور ممثل واشنطن لدى الأمم المتحدة مايك والتز، ووزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ونظيره الصهيوني جدعون ساعر، تناول توسيع التعاون السياسي والأمني والاقتصادي.



وكشفت صحيفة “إلباييس” الإسبانية، في تحقيق نشرته يوم 19 سبتمبر، أن التفاهم شمل دعما أمريكيا وصهيونيا للموقف المغربي بشأن الصحراء الغربية. ويحمل توقيت الإعلان دلالة سياسية خاصة، بعدما حددت واشنطن موقفها قبل أكثر من شهر من تقديم مشروعها إلى مجلس الأمن، رغم مشاركتها في رعاية المفاوضات الأممية.

ويثير هذا التداخل تساؤلات بشأن حياد الوساطة الأمريكية، خاصة أن جبهة البوليساريو لم تشارك في التفاهم ولم توافق على مضمونه. ومن وجهة النظر الصحراوية، يعبر البيان عن مصالح الدول الموقعة عليه، ولا يمثل اتفاقا بين طرفي الصراع أو بديلا عن ممارسة الشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير.

وتعود جذور هذا المسار إلى ديسمبر 2020، عندما أعلن ترامب، خلال ولايته الرئاسية الأولى، ادعاء الولايات المتحدة بسيادة مغربية مزعومة على الصحراء الغربية بالتزامن مع استئناف العلاقات المغربية الصهيونية. وبعد نحو 6 سنوات، يتجدد التنسيق الثلاثي في ظروف مختلفة، لكنه يحتفظ بالقضية الصحراوية ضمن الملفات التي تجمع هذه الدول.

وتتصل تلك التفاهمات بشبكة أوسع من التعاون العسكري والأمني والتكنولوجي. وقد نقلت “إلباييس”، اعتمادا على بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، أن الولايات المتحدة تستحوذ على 60% من واردات المغرب من الأسلحة، مقابل 24% للكيان، في مؤشر إلى حجم الارتباط العسكري الذي يرافق التنسيق السياسي.

ولا تعني هذه الأرقام أن التعاون العسكري يستهدف القضية الصحراوية وحدها، لكنها توضح حجم المصالح المشتركة التي تحيط بالمواقف الدبلوماسية. ومن منظور البوليساريو، يثير هذا الترابط سؤالا عن قدرة الدول ذات النفوذ على توجيه قرارات المؤسسات الدولية بما يتناسب مع تحالفاتها، دون الحصول على موافقة الشعب المعني بالصراع.

ويستعيد هذا التفاهم الثلاثي المفارقة التي تناولها البروفيسور نور الصباح عكنوش بشأن محاولة احتكار الحل السياسي. فالقرار الذي يتصل بمصير شعب كامل لا يصبح تسوية نهائية بمجرد اتفاق دول قوية على مضمونه، خصوصا عندما يرفض الطرف الصحراوي اعتبار ذلك الاتفاق بديلا عن التعبير الحر عن إرادته.

وفي المقابل، تتبنى السلطة المغربية هذه التحالفات باعتبارها أدوات لتعزيز مطالبها السياسية، وهو ما يعيد طرح السؤال عن الفرق بين الحصول على تأييد دولي وإثبات السيادة القانونية. فقد تستطيع الرباط توسيع دائرة الاعترافات بموقفها، لكن ذلك لا يؤدي تلقائيا إلى تجاوز المراجع القضائية والأممية التي تستند إليها الجبهة الصحراوية.

المخزن وأسئلة سبتة المؤجلة

وتظهر مفارقة أخرى في السياسة المغربية عند مقارنة طريقة التعامل مع الصحراء الغربية بالمواقف المتعلقة بسبتة ومليلية. فبينما تسعى الرباط إلى حشد التأييد الأمريكي والدولي لتثبيت مطالبها في الصحراء الغربية، تظل علاقتها بإسبانيا محكومة باعتبارات مختلفة، تشمل التبادل الاقتصادي والتعاون الأمني وإدارة ملف الهجرة.

وقد أعادت أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 جويلية الماضي الخلافات بين مدريد والرباط إلى الواجهة. وتناولت الصحافة الإسبانية التداعيات الأمنية والسياسية للأزمة، في وقت احتفظت فيه المدينتان بوضعهما تحت السيادة الإسبانية، رغم استمرار المطالب المغربية التاريخية بشأنهما.

تختلف الصحراء الغربية عن سبتة ومليلية في طبيعة القضية ومسارها التاريخي؛ الأولى أرض يعتبرها الصحراويون واقعة تحت الاحتلال المغربي، بينما تمثل المدينتان أرضا يطالب بها المغرب، لكنه تخلى عمليا عن السعي إلى تحريرها. ويكشف هذا التباين اختلاف المعايير التي تعتمدها الرباط في التعامل مع قضايا الأرض والسيادة تبعا لموازين القوة والمصالح.

وتقدم العلاقات المغربية الإسبانية مثالا واضحا على هذا التناقض، فرغم الخلافات السياسية والأزمات المتكررة، تحافظ الرباط على تعاونها الأمني والاقتصادي مع مدريد، وتتعامل مع استمرار السيطرة الإسبانية على المدينتين باعتباره واقعا تفرضه حسابات المصالح، بينما تستعين بالتحالفات والضغوط الدولية لفرض تصورها السياسي على الشعب الصحراوي.

وتكشف المقارنة تفاوتا في حسابات السلطة المغربية تبعا لطبيعة الطرف الذي تواجهه؛ فهي تتجنب التصعيد مع دولة أوروبية تمتلك أدوات ضغط سياسية واقتصادية وعسكرية، وتختار في الصحراء الغربية مواجهة حركة تحرر تطالب بالاستقلال. وهنا يبرز السؤال عن مصداقية خطاب استكمال الوحدة الترابية عندما يخضع تطبيقه لموازين القوة لا لثبات المبادئ.

السيادة التي تتعثر أمام القضاء

لا تستند الاعتراضات الصحراوية على التحالفات السياسية إلى المواقف الدبلوماسية وحدها؛ فقد أرست محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر يوم 16 أكتوبر 1975 مرجعية قانونية أساسية، عندما لم تجد ما يثبت سيادة المغرب على الصحراء الغربية، وأكدت ضرورة احترام حق سكانها في تقرير المصير عبر التعبير الحر والحقيقي عن إرادتهم.

وتكتسب هذه المرجعية أهمية خاصة أمام التحركات الدبلوماسية الحالية، لأن الاعترافات السياسية التي تصدر عن الحكومات لا تستطيع تغيير مضمون الرأي القضائي الصادر سنة 1975. تتبدل مواقف الدول وتحالفاتها ومصالحها، لكن ذلك لا يخولها إنشاء سيادة على أرض لم يثبت القضاء الدولي خضوعها للسيادة المغربية.

وعادت الصحراء الغربية إلى صدارة النقاش القضائي الأوروبي يوم 4 أكتوبر 2024، بعدما أصدرت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي أحكاما بشأن اتفاقات التجارة والصيد البحري التي أبرمها الاتحاد والمغرب سنة 2019. وخلصت المحكمة إلى أن الاتفاقات المعنية لم تستوف متطلبات موافقة الشعب الصحراوي، بالنظر إلى الوضع القانوني المنفصل والمتميز للصحراء الغربية.

وتناول القضاء الأوروبي مسألة الجهة التي تملك الحق في الموافقة على الاتفاقات التي تشمل الأراضي الصحراوية ومواردها الطبيعية. وميزت المحكمة بين التشاور مع السكان المقيمين في المنطقة وموافقة الشعب صاحب حق تقرير المصير، خاصة أن جزءا مهما من الصحراويين يعيش خارج وطنه نتيجة الصراع واللجوء.

وأوضحت المحكمة أن القانون يجيز افتراض الموافقة في ظروف محددة تخضع لشروط صارمة، لكنها خلصت إلى أن الاتفاقات التي تناولتها لم تستوف تلك الشروط. وثبتت بذلك إلغاء قرارات إبرام الاتفاقات، لتؤكد أن العلاقات الاقتصادية لا تستطيع تجاوز الحقوق القانونية للشعب الصحراوي أو مصادرة إرادته في التصرف في ثرواته.

وتناولت أحكام أخرى صدرت في اليوم نفسه مسألة منشأ المنتجات الزراعية القادمة من الصحراء الغربية. وألزمت المحكمة الجهات المعنية بالإشارة إلى مصدرها الحقيقي، بدلا من تقديمها باعتبارها منتجات مغربية، وهو ما نقل الخلاف بشأن الوضع القانوني للصحراء الغربية إلى قواعد التجارة الأوروبية وحماية المستهلك.

وفي 21 أكتوبر الجاري، أعاد مستشار الرئيس الصحراوي المكلف بملف الثروات الطبيعية والقضايا القانونية، أبي بشراي البشير، التذكير بهذه المعركة في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الجزائرية. واعتبر أن الأحكام القضائية الأوروبية تدعم مطالبة الشعب الصحراوي بحقوقه في الأرض والثروات، وتؤكد ضرورة احترام موافقته على الاتفاقات التي تشمل موارده الطبيعية.

وتكشف هذه الأحكام أن القضية الصحراوية تتجاوز الخلاف بشأن الشكل السياسي للتسوية إلى مسألة السيادة على الثروات والموارد. ومن منظور جبهة البوليساريو، لا يمكن لأي ترتيب سياسي أن يتجاوز حق الشعب الصحراوي في تحديد الجهة التي تدير تلك الموارد، والقرارات التي تتحكم في استغلالها وتوزيع عائداتها.

وامتدت التداعيات القانونية إلى المجال التجاري خلال أكتوبر الجاري، بعدما أثار إعلان لشركة الطيران الإيرلندية “ريان إير” بشأن الرحلات إلى الداخلة اعتراضا على تقديم المدينة باعتبارها وجهة مغربية. ونقلت صحيفة “ذي آيريش تايمز” يوم 15 أكتوبر أن هيئة معايير الإعلان الإيرلندية توصلت إلى قرار أولي بشأن الطبيعة المضللة للإعلان.

وجاء الاعتراض عقب شكوى تقدمت بها النائبة الأوروبية لين بويلان، التي اعتبرت أن الإعلان يتجاهل الوضع القانوني للصحراء الغربية. وأوصت الهيئة بعدم إعادة نشر الإعلان بصيغته محل الشكوى، على أن تستكمل الجهات المختصة إجراءات المصادقة النهائية، في واقعة تكشف امتداد القضية إلى الأنشطة الاقتصادية والإعلانات السياحية.

وتكمن أهمية هذه الواقعة في أن الخرائط والتسميات والمواد التجارية تستطيع ترسيخ تصورات سياسية تتعارض مع الوضع القانوني للصحراء الغربية. ولا تستطيع الاعترافات الحكومية إلغاء الأحكام القضائية المتعلقة بها، أو إعفاء المؤسسات الاقتصادية من مسؤوليتها عن احترام القواعد التي تنظم التعامل مع أراضيها ومنتجاتها.

إسبانيا ودفتر الديون المفتوح

امتدت التداعيات الأوروبية للقضية الصحراوية إلى البرلمان الإسباني، الذي أعاد خلال سبتمبر الماضي المسؤولية الاستعمارية السابقة لمدريد إلى النقاش السياسي. وشهد مجلس النواب يوم 10 سبتمبر تصويتا لمصلحة مقترح قانون يسمح باستعادة الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين الذين ولدوا خلال فترة الإدارة الإسبانية وذريتهم.

وحصل المقترح على تأييد 168 نائبا، مقابل 31 صوتا معارضا و145 امتناعا، لكنه بقي بحاجة إلى استكمال الإجراءات التشريعية. وقادت المبادرة النائبة تش سيدي، المنحدرة من مخيمات اللاجئين الصحراويين، سعيا إلى معالجة الآثار القانونية التي خلفها انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية سنة 1975.

وتناولت صحيفة “إلباييس” الإسبانية النقاش البرلماني باعتباره عودة إلى ملف استمر عقودا، خصوصا لدى الصحراويين الذين عاشوا تحت الإدارة الإسبانية أو ينحدرون من أسر كانت تحمل وثائقها. وطالب مؤيدو المبادرة بمعالجة الحرمان من الجنسية والحقوق المرتبطة بها، بعد مرور أكثر من نصف قرن على انتهاء الوجود الاستعماري الإسباني.

وأعاد التصويت إلى الواجهة الالتزامات التاريخية التي ترتبت على الإدارة الإسبانية للصحراء الغربية. وقد رحلت القوات والمؤسسات الاستعمارية، لكن ذلك لم ينه الآثار القانونية والاجتماعية التي خلفتها تلك المرحلة، ولا المسؤولية المرتبطة بمصير السكان الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع سياسي جديد دون تسوية نهائية لوطنهم.

وتحمل المبادرة أهمية إنسانية مباشرة بالنسبة إلى الأسر التي تواجه صعوبات في الحصول على الوثائق والتنقل والإقامة والحماية القانونية. لكن استعادة الجنسية الإسبانية، حتى بعد استكمال المسار التشريعي، لا تعوض حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، ولا تنهي المسؤولية التاريخية عن الأوضاع التي خلفها الانسحاب الاستعماري.

وتكشف هذه التطورات امتداد الصراع إلى مجالات متعددة من حياة الصحراويين، واستمرار آثاره خارج التحركات الدبلوماسية والمواجهات العسكرية. وقد نشأت أجيال كاملة في مخيمات اللجوء والمهجر، بينما بقيت الأسئلة المتعلقة بالهوية والحقوق القانونية والمستقبل السياسي للصحراء الغربية حاضرة في حياتها اليومية.

إنذار صحراوي أمام مجلس الأمن

عادت قضية تقرير المصير إلى صدارة المداولات الأممية مع تقرير الأمين العام أنطونيو غوتيريش الصادر في 1 أكتوبر 2026، الذي أكد حق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير مصيره. وشدد التقرير على ضرورة إجراء مشاورات جدية تتيح للسكان المعنيين قبول أي مقترح أو رفضه بصورة حرة وطوعية.

واستعادت صحيفة “إلباييس” الإسبانية مضمون التقرير في تحقيق نشرته يوم 12 أكتوبر، مع التركيز على ضرورة الحصول على موافقة الشعب الصحراوي قبل اعتماد تسوية نهائية. وجاء ذلك وسط خلافات جوهرية بشأن طبيعة الحل السياسي، والضمانات التي ينبغي أن ترافقه، وحدود الدور الذي تمارسه الأطراف الدولية في توجيه المفاوضات.

وكانت 3 جولات من المحادثات غير الرسمية قد جمعت المغرب وجبهة البوليساريو، بمشاركة الجزائر وموريتانيا، خلال جانفي وفيفري الماضيين، تحت رعاية مشتركة من الأمم المتحدة والولايات المتحدة. وانتهت تلك اللقاءات دون اتفاق نهائي، في ظل استمرار الخلاف بشأن المرجعية السياسية للتسوية وحق الشعب الصحراوي في تحديد مستقبله.

وفي 23 أكتوبر الجاري، وجه رئيس الجمهورية الصحراوية والأمين العام لجبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، رسالة إلى غوتيريش، تناول فيها موقف الجبهة من التقرير الأممي والتطورات الأخيرة. ورفض أي مسار تفاوضي يحدد النتيجة مسبقا، مشددا على ضرورة الاحتفاظ بحق الشعب الصحراوي في اختيار مستقبله دون إملاءات خارجية.

واستحضر غالي المبادرة الصحراوية المقدمة يوم 10 أفريل 2007، والمقترح الموسع الذي قدمته الجبهة يوم 20 أكتوبر 2025، إلى جانب الأفكار التي طرحتها خلال المحادثات الأخيرة. وأراد من هذه الإشارات تأكيد استعداد البوليساريو لمواصلة البحث عن تسوية، دون القبول باستبعاد الخيارات التي يتيحها حق تقرير المصير.

وجاء تحذير ممثل جبهة البوليساريو لدى الأمم المتحدة، سيدي محمد عمر، ليكشف خطورة المرحلة التي تمر بها العملية السياسية. فقد أوضح في تصريحات نقلها موقع “باس بلو” يوم 23 أكتوبر أن اعتماد المشروع الأمريكي دون تعديلات جوهرية قد يدفع الجبهة إلى الانسحاب من عملية السلام برمتها.

وفي تصريح خاص لـ”الأيام نيوز”، اعتبر السفير ماء العينين لكحل، نائب الممثل الدائم للجمهورية الصحراوية لدى الاتحاد الإفريقي، أن المشروع الأمريكي يمثل انحرافا خطيرا عن القواعد القانونية التي تحكم العلاقات الدولية، ومحاولة لفرض تصور سياسي يتجاهل حقوق الشعب الصحراوي، استجابة للمصالح والتحالفات التي توجه سياسة واشنطن.

السفير ماء العينين لكحل نائب الممثل الدائم للجمهورية الصحراوية لدى الاتحاد الافريقيالسفير ماء العينين لكحل نائب الممثل الدائم للجمهورية الصحراوية لدى الاتحاد الافريقي
وربط الدبلوماسي الصحراوي المشروع بعقلية الصفقات التي طبعت تعامل ترامب مع غزة وغرينلاند وكندا، معتبرا أن بعض المحيطين بالرئيس الأمريكي يدفعون نحو التعامل مع الأرض باعتبارها غنيمة للقوى الكبرى. ويرى أن هذا التوجه يحول مصائر الشعوب إلى موضوع للمساومات السياسية والتجارية، بعيدا عن قواعد الشرعية الأممية.

ووصف لكحل المقاربة الأمريكية بأنها تعبر عن إفلاس قانوني وسياسي، لأنها تتجاهل المبادئ التي تحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وتتعارض مع حق الشعوب في تقرير المصير والسيادة على ثرواتها. وشدد على أن “السيادة ليست سلعة تباع في مزاد”، وأن الاعترافات السياسية لا تستطيع إلغاء الحقوق التي يقررها القانون الدولي.

واستند السفير في موقفه إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، والأحكام الأوروبية، وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، معتبرا أن هذه المرجعيات تؤكد حق الشعب الصحراوي في تحديد مستقبله. وفي تقديره، لا تستطيع الاعترافات الدولية بالموقف المغربي إنشاء سيادة تتعارض مع إرادة الشعب الصحراوي وحقه في تقرير المصير.

وتناول لكحل محاولة واشنطن حصر المفاوضات في مقترح الحكم الذاتي المغربي، معتبرا أنها تسعى إلى فرض نتيجة سياسية قبل انتهاء الحوار. ويرى أن اشتراط قبول هذه الصيغة يقوض أسس التفاوض، ويجرد الطرف الصحراوي من حق مناقشة الخيارات المتعلقة بمستقبله، بما يحول العملية السياسية إلى أداة لفرض الأمر الواقع.

وخصص الدبلوماسي جانبا من تحذيراته لمستقبل بعثة المينورسو، معتبرا أن حذف الإشارة إلى الاستفتاء من تسميتها، وتقليص مكونها العسكري، وتغيير طبيعة مهمتها، يمثل محاولة لإضعاف الأساس الذي قامت عليه عملية السلام. وحذر من أن هذه التوجهات تهدد الاستقرار في منطقة لم تستعد وقف إطلاق النار منذ سنة 2020.

وربط لكحل احتمال انسحاب جبهة البوليساريو من العملية السياسية بطبيعة المشروع الأمريكي والنتائج التي تحاول واشنطن فرضها على الأطراف. وفي تقديره، لا يمكن للجبهة مواصلة التفاوض ضمن إطار يحول مشاركتها إلى موافقة ضمنية على تسوية ترفضها، ويجعل الإرادة الصحراوية خارج الحسابات التي تحدد مستقبل الصراع.

وانتقد السفير اعتماد المغرب على الدعم الأمريكي والصهيوني والفرنسي والإماراتي، معتبرا أن هذه التحالفات لا تستطيع حسم صراع امتد أكثر من 5 عقود. وشدد على استمرار تمسك الشعب الصحراوي بحقوقه، مستحضرا قناعته بأن الأوطان لا تباع ولا تشترى، وأن الضغوط الخارجية لن تنهي مطالبته بالحرية والاستقلال.

وتلتقي هذه التحذيرات مع مخاوف عبر عنها باحثون تابعوا التحركات الأمريكية الأخيرة. وقد اعتبرت هانا راي أرمسترونغ، المتخصصة في قضايا شمال إفريقيا والساحل، أن المشروع الأمريكي يثير تساؤلات بشأن مستقبل المفاوضات، وحذرت في تصريحات لموقع “باس بلو” من ارتفاع مخاطر التصعيد إذا حاولت واشنطن فرض صيغة يرفضها الطرف الصحراوي.

وتزداد خطورة هذه المخاوف بالنظر إلى استمرار التوتر العسكري منذ نوفمبر 2020، عقب انهيار وقف إطلاق النار الذي بدأ سنة 1991. وتحمل جبهة البوليساريو القوات المغربية مسؤولية انهيار الهدنة بعد تدخلها في منطقة الكركرات يوم 13 نوفمبر 2020، بينما تواصلت المواجهات المحدودة خلال السنوات التالية.

وفي رسالته إلى غوتيريش، استحضر إبراهيم غالي تقريرا أمميا سابقا تناول تشييد القوات المغربية جدارا رمليا جديدا بطول يقارب 20 كيلومترا في الكركرات، وتعزيز وجودها في مساحة تبلغ نحو 40 كيلومترا مربعا داخل الشريط العازل. واستند إلى هذه الوقائع لتأكيد اعتراض الجبهة على التحركات العسكرية المغربية التي سبقت انهيار وقف إطلاق النار.

وتتمسك البوليساريو بالمهمة الأصلية للمينورسو، وترفض تحويل الصعوبات التي واجهت تنظيم الاستفتاء إلى ذريعة للتخلي عنه. وتعتبر أن تقليص الحضور الأممي وسط استمرار التوتر العسكري وغياب التسوية السياسية قد يضعف مراقبة الوضع الميداني، ويزيد مخاطر اتساع المواجهات وتعقيد فرص استعادة السلام.

شعب لا تغيب حقوقه عن طاولة الصفقات

تتجاوز التداعيات المحتملة للمشروع الأمريكي المواقف الدبلوماسية والأوضاع العسكرية إلى حياة اللاجئين والمعتقلين والناشطين الصحراويين. وتحمل هذه الملفات آثار صراع استمر عقودا، وتطرح أسئلة تتعلق بالحقوق والحريات والضمانات الإنسانية التي لا تستطيع التفاهمات السياسية بين الحكومات معالجتها دون مشاركة أصحابها.

وأعادت صحيفة “الإندبندينتي” الإسبانية ملف معتقلي أكديم إزيك إلى الواجهة يوم 16 أكتوبر الجاري، بعدما نشرت تحقيقا يتضمن شهادات لعائلات سجناء صحراويين. وتحدثت الأسر عن تدهور صحة أقاربها والقيود على الزيارات والاتصالات، عقب دخول عدد من المعتقلين في إضراب عن الطعام يوم 23 سبتمبر.

ونقلت الصحيفة اتهامات بالتعذيب وسوء المعاملة والعزل، إلى جانب شكاوى بشأن نقل معتقلين بين السجون دون إبلاغ عائلاتهم في الوقت المناسب. وأعربت أسر بعض السجناء عن مخاوف جدية على حياتهم، نتيجة الصعوبات التي تواجهها في الحصول على معلومات دقيقة بشأن أوضاعهم الصحية وظروف احتجازهم.

وتتصل هذه الشهادات بمواقف سابقة لآليات أممية معنية بحقوق الإنسان. فقد تناول فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي أوضاع معتقلين من مجموعة أكديم إزيك، بينما أصدرت لجنة مناهضة التعذيب قرارات بشأن شكاوى تتعلق بظروف الاحتجاز واستخدام اعترافات انتزعت تحت الإكراه.

وفي رسالته الأخيرة، استحضر إبراهيم غالي قرارات أصدرتها لجنة مناهضة التعذيب يوم 20 مايو 2026 بشأن 4 معتقلين صحراويين، مشيرا إلى ما تناولته من شكاوى تتعلق بالاعتقال التعسفي والعزل وسوء المعاملة. وترى البوليساريو أن استمرار هذه الملفات دون معالجة يقوض فرص التوصل إلى تسوية تحترم حقوق السكان.

ويزيد استمرار تعذر وصول مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى الصحراء الغربية منذ سنة 2015 من صعوبة المتابعة المستقلة للأوضاع الحقوقية. وقد أشار تقرير غوتيريش الأخير إلى هذه المسألة، وإلى شكاوى بشأن القيود على حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، رغم طلبات المفوضية المتكررة لإجراء زيارة فنية.

ويحد غياب الزيارات الميدانية المنتظمة من قدرة المؤسسات الدولية على التحقق من الشكاوى التي يقدمها الناشطون والمنظمات الحقوقية. وتحتاج هذه الملفات إلى تحقيقات مستقلة وآليات لمساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، حتى لا تتحول معاناة المتضررين إلى مادة لسجال سياسي يستمر دون نتائج ملموسة.

ويواجه اللاجئون الصحراويون في مخيمات تندوف أوضاعا إنسانية صعبة ارتبطت باستمرار اللجوء طوال عقود. وتشمل التحديات نقص الموارد وفرص العمل والاعتماد الواسع على المساعدات الدولية، إلى جانب الآثار الاجتماعية والنفسية التي خلفها تشتت الأسر وولادة أجيال كاملة بعيدا عن وطنها.

وتناولت رسالة إبراهيم غالي إلى الأمين العام مبادرة تتعلق بزيارات اللاجئين، واعترضت الجبهة على ربط هذه الإجراءات بالترويج لمقترح الحكم الذاتي المغربي. وأوضحت البوليساريو استعدادها للتعاون مع مفوضية شؤون اللاجئين في تدابير لبناء الثقة، مع ضرورة احترام الإرادة الحرة للاجئين وعدم توظيف أوضاعهم الإنسانية لتحقيق أهداف سياسية.

وتطرح هذه المسألة أسئلة بشأن الضمانات اللازمة لتنظيم عودة آمنة وطوعية وكريمة للاجئين. وتتجاوز التحديات مكان الإقامة إلى الأمن والحقوق السياسية والاقتصادية ومستقبل الأسر، وهي جوانب تحتاج إلى معالجة جدية تزيل الأسباب التي أدت إلى النزوح، بدلا من الاكتفاء بالدعوات إلى إنهاء وضع اللجوء.

وفي 24 أكتوبر الجاري، شهدت بروكسل وقفة نظمتها جمعية “الصحراء ما تنباع” بمشاركة أفراد من الجالية الصحراوية في بلجيكا أمام البرلمان الأوروبي. وطالب المشاركون بالإفراج عن المعتقلين الصحراويين، وجددوا تمسكهم بحق تقرير المصير والاستقلال، في تحرك يعبر عن استمرار التعبئة السياسية والحقوقية خارج الصحراء الغربية.

وتؤكد هذه التحركات استمرار حضور القضية الصحراوية في أوساط الجاليات التي تتابع التطورات السياسية وتشارك في النشاط الحقوقي. ويكتسب هذا الحضور أهمية وسط الضغوط الدولية المتزايدة باتجاه تسوية ترفض جبهة البوليساريو نتائجها المحددة مسبقا، وتعتبرها محاولة لتجاوز حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

وتكشف هذه الملفات مجتمعة أن القضية الصحراوية تتجاوز تغيير مهمة بعثة أممية أو تعديل صياغة قرار دولي. فهناك حقوق تتعلق بالمعتقلين واللاجئين والثروات والهوية القانونية والمشاركة السياسية، ولا تستطيع التفاهمات بين الحكومات معالجة هذه القضايا دون احترام إرادة الأشخاص الذين يتحملون تبعات الصراع.

وتكمن المعضلة الكبرى أمام الإدارة الأمريكية في أن النفوذ الدبلوماسي يستطيع تغيير مواقف الحكومات والتأثير في قرارات المؤسسات الدولية، لكنه لا يضمن القبول الشعبي أو إنهاء الصراع. تتغير التحالفات والقرارات والمصالح، بينما تستمر المطالب الوطنية التي لم تحصل على تسوية تحترم حقوق أصحابها وإرادتهم.

ويبرز هنا الفارق بين اعتماد قرار سياسي وإرساء سلام دائم. يصدر القرار داخل مؤسسة دولية وفق قواعد التصويت، بينما يحتاج السلام إلى معالجة الحقوق والاعتراضات والضمانات التي حالت دون التوصل إلى اتفاق طوال العقود الماضية، وإلى مشاركة الشعب المعني في تحديد مستقبل أرضه وثرواته.

وتتمسك جبهة البوليساريو بحق تقرير المصير باعتباره الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه كل تسوية سياسية للقضية الصحراوية. وترفض تحويل المشاركة في المفاوضات إلى قبول مسبق بالحكم الذاتي، وتطالب بالإبقاء على مستقبل الصحراء الغربية مرتبطا بالإرادة الحرة للشعب الصحراوي، بعيدا عن الإملاءات والتحالفات الخارجية.

وتضع التطورات الأخيرة مجلس الأمن أمام اختبار يتعلق بمسؤوليته عن حفظ السلم والأمن الدوليين واحترام الحقوق التي تستند إليها القضية الصحراوية. يستطيع المجلس تعديل ولاية المينورسو واعتماد توجهات سياسية جديدة، لكن قراراته لا تستطيع وحدها إنهاء المطالب التي استمر الشعب الصحراوي في الدفاع عنها طوال عقود.

وفي نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بقدرة ترامب على حشد التأييد الدبلوماسي لمشروعه، ولا بحجم الدعم الذي تحصل عليه الرباط من حلفائها، بل بحدود ما تستطيع تلك الأدوات تحقيقه في قضية امتدت عبر أجيال. تتبدل الحكومات والتحالفات، لكن السؤال عن إرادة الشعب الصحراوي يظل حاضرا في قلب الصراع.

وتصطدم رهانات الإدارة الأمريكية على تغيير الموازين السياسية، ورهانات السلطة المغربية على الاستفادة من نفوذ واشنطن، بمسألة لم تحسمها عقود المواجهة والمفاوضات: من يملك الحق في تحديد مستقبل الصحراء الغربية والتصرف في أرضها وثرواتها؟ ويظل حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره أساس هذا السؤال.

وتلك هي الحدود التي تواجهها عقلية الصفقات أمام قضايا الشعوب، لأنه مهما بلغت قدرة السياسة على إعادة ترتيب المصالح والتحالفات، فإنها لا تستطيع إلغاء الحقوق الوطنية أو محو الذاكرة الجماعية. وتبقى القضية الصحراوية شاهدا على عجز القوة المطلقة، ووهم استعارتها، عن تغيير حقيقة لا تبدلها موازين النفوذ: مستقبل الأوطان لا تحسمه إرادة الأقوياء، وإنما إرادة الشعوب التي تنتمي إليها.
المصدر: الأيام نيوز

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...

الأكثر قراءة