أثارت تصريحات رئيس الحكومة المغربية الأسبق، عبد الإله بنكيران، والذي سخر فيه من أمّ جزائرية بقوله: «أمّه جزائرية وهو يعرف قراءة القرآن؟! ههههه!»، تساؤلات بشأن حدود الخطاب السياسي وأخلاقيات التعامل مع الشعوب، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالأمهات وكرامتهن.
فأيّ معنى للتدين حين تصبح جنسية الأم مادة للسخرية والتهكم؟ وأيّ انسجام بين الادعاء بالالتزام الديني والاستخفاف بمقام الأم، الذي يحتل مكانة عظيمة في التعاليم الإسلامية، القائمة على البر والإحسان والتوقير؟
إن تحويل جنسية الأم الجزائرية إلى مدخل للاستهزاء لا يمسّ كرامة امرأة بعينها فحسب، بل يفتح الباب أمام خطاب يخلط الخلافات السياسية والاجتماعية بالانتقاص من الشعوب، وكأن الانتماء الوطني معيار للحكم على أخلاق الإنسان أو قدرته على تعلم القرآن وقراءته.
والأكثر إثارة للاستغراب أن يصدر مثل هذا الكلام، عن شخصية سياسية تولّت رئاسة الحكومة في المغرب، وتقدّم نفسها في المجال العام بخطاب يستند إلى المرجعية الدينية. فالمسؤولية الأخلاقية تقتضي أن يكون الخطاب السياسي جسراً للتفاهم والاحترام، لا وسيلة لتغذية الصور النمطية والإساءة إلى الآخرين بسبب جنسيتهم أو أصولهم.
إن الاختلاف بين الجزائريين والمغاربة، مهما بلغ، لا يبرر المساس بكرامة الأمهات، ولا يجعل السخرية من الجنسية موقفاً سياسياً مقبولاً. فالأمهات أكبر من الحسابات الضيقة، وكرامتهن ليست موضوعاً للنكات أو التهكم.
فالتدين لا يُقاس بالشعارات ولا بادعاء المعرفة بالقرآن، بل بما ينعكس من قيمه في القول والسلوك، وفي احترام الإنسان وصون كرامته، أياً كانت جنسيته.
لكن يبدو أنّ عبد الإله بن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي “الإسلامي” ورئيس الحكومة السابق، الذي وفّر للمخزن غطاء دينيا للتطبيع مع الاحتلال الصهيوني، قد قرّر التفرّغ إلى المواعظ الدينية في الفضاء الإلكتروني.
وينشر بن كيران، الذي يحمل شهادة ليسانس في العلوم الفيزيائية، مقاطع صوتية على صفحته في فيسبوك، يسمّيها “آية استوقفتني”، حيث يتحدث في كلّ مرة عن “فهمه” لآية من آيات القرآن الكريم.
ولا يتيح رئيس الحكومة السابق في المغرب إمكانية التعليق على مقاطعه الصوتية لجميع متابعي صفحته، لكن عددا كبيرا من المتابعين يتفاعلون مع المحتوى الذي يقدّمه بن كيران بالرمز “أضحكني”.
وأعلن المخزن عن خروج علاقاته الدبلوماسية مع الاحتلال الإسرائيلي إلى العلن، في نهاية عام 2020، عندما كانت حكومة البلاد تحت قيادة حزب “الواعظ” بن كيران.
وكان سعد الدين العثماني، خليفة بن كيران على رأس الحكومة، أحد أطراف التوقيع على اتفاق التطبيع الذي وقّعه المخزن مع سلطات الاحتلال، برعاية من الإدارة الأمريكية السابقة.
ويعيب متابعون للشأن المغربي، على الحزب ذو التوجّه الإسلامي، تورّطه في دعم قرار الملك المغربي محمد السادس بالتطبيع مع الاحتلال، وتوفير الغطاء الديني للسياسة الدبلوماسية الجديدة، التي جعلت الرباط تدير ظهرها لحقوق الشعب الفلسطيني وترتمي في احضان الصهيونية.
كما تساءل آخرون، عن تزامن مواعظ بن كيران مع الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي يعرفها المغرب، في ظل أزمة ارتفاع الأسعار، وغياب الملك عن الساحة.
وقد يكون في تصريح سابق لبن كيران شيئ من الإجابة على هذه التساؤلات، حيث حذّر “المفتي” عبد الإله، في كلمة ألقاها أمام مناضلي حزبه شهر جوان الماضي من “شيئ مجهول لا يعلمه إلا الله، يقبل عليه المغاربة (بسبب المطالبات الاجتماعية)”، حسبه. وهذا على سبيل حثّ مواطنيه على “الاصطفاف حول الملك”.
بن كيران يعود مجددا لتجميل وجه نظام المخزن القبيح
13 جوان 2022: أخطأ عبد الإله بن كيران، أمين عام حزب العدالة والتنمية المغربي ورئيس الحكومة السابق، مرة أخرى الهدف، ملتحفا عباءة الدين، بدعوة الجانب الجزائري “إلى العودة إلى الله”، ليؤكد مرة أخرى إنه وفي لمساره كمحام مهمته تجميل وجه نظام المخزن القبيح.
وقال خلال المؤتمر الجهوي لحزبه بمدينة وجدة الحدودية مع الجزائر “اذا اقتربتم من المغرب شبرا سيقترب منكم ذراعا، واذا اقتربتم منه ذراعا سيقترب منكم باعا، واذا اتيتموه تمشون فسيأتيكم هرولة”.
وأضاف: “نحن أخوة وحد الله بيننا ، ويجمعنا التاريخ والدين واللغة فلماذا العداوة…عودوا إلى الله”.
وحاول بن كيران مجددا إيهام مستعميه، أن الجزائريين لديهم عدواة مع أشقائهم المغاربة، رغم أنه يعرف أن القضية لم تكن في يوم من الأيام بهذا الشكل، وحتى في ظل العلاقات المقطوعة لم يتم التعرض لأي مغربي مقيم في الجزائر، والجزائريون يحتضنونهم بشكل عادي، وأن المشكلة في نظام المخزن الذي تخطى كل الخطوط الحمراء في التآمر على جارته الشرقية.
ويعد بن كيران نفسه ضحية لنظام المخزن المغربي، الذي استغله وحزبه كواقي صدمات ضد موجة الربيع العربي وغليان الشارع بداية من عام 2011، ثم انقلب عليه بتوظيف صديقه سعد الدين العثماني، قبل أن يغلف اتفاقية التطبيع بغطائهم الاسلامي، ويطردهم جميعا خارج أسواره.
ورغم هذه الضربات المتتالية من القصر، مازال بن كيران وفيا للمخزن يحاول تجميل وجهه، وهذه المرة يريد تسويقه في ثوب ضحية “الظلم الجزائري”، متناسيا مؤامراته ضد الجزائر والتي لم تتوقف منذ بداية الاحتلال الفرنسي.
وكان الأمير عبد القادر أول ضحية لهذه المؤامرات، عندما باعه سلطان المغرب عبد الرحمان بن هاشم عام 1847 للجيش الفرنسي بعد أن اضطر تحت ضربات الجيش الفرنسي إلى دخول الأراضي المغربية بجزء من جيشه، وهي رواية يتداولها المؤرخون في كل كتبهم.
كما نسي بن كيران، قصة طائرة قادة الثورة التحريرية التي تمت قرصنتها جوا عام 1956، من قبل الاحتلال الفرنسي بمساعدة القصر الملكي في المغرب.
واستمرت هذه المؤامرات بعد الاستقلال بمحاولة احتلال مناطق الجزائر الغربية، باستغلال ضعف الدولة التي خرجت لتوها من حرب تحرير، وتواصلت هذه الدسائس إلى اليوم، وكانت ميزة المخزن المسجلة نقض العهود والتآمر سرا مع الحرص على إظهار الود للجارة الشرقية.
وكانت آخر هذه السياسات العدوانية للمخزن جلب وزير صهيوني لتهديد الجزائر، ومحاولة إغراق أراضيها بالمخدرات، وتحريض جحافل الذباب وإعلاميين موالين للقصر، لنشر الإشاعات واستهداف كل ما هو جزائري، فهل هناك دولة أخرى يمكن أن تقبل هذه الحملات؟
فبن كيران، الذي أفتى للمخزن بجواز التطبيع مقابل المصلحة السياسية، بدل توجيه مواعظه للقصر من أجل الكف عن هذه السياسات العدوانية، راح يروج له كحمل وديع تعرض للظلم، رغم أن شروره وصلت كافة دول الجوار بالتجسس على خصوصيات المسؤولين والنشطاء.
ويُخرج هذا السياسي الاسلامي في كل مرة ورقة دعم الجزائر للصحراء الغربية، كذريعة لتبييض وجه المخزن، وهذه المرة يقول إنه من حق المغرب أن تكون له صحراء مثل الجزائر، لكن هذه الخطابات كان يمكن أن يوجهها لمنظمة الأمم المتحدة التي تعتبر الإقليم مستعمرة يجري التفاوض حول تقرير مصيرها.
بن كيران “يفتي” للنظام المغربي بجواز التطبيع مقابل المصلحة
وشهر جانفي 2022، أكد عبد الإله بن كيران، أمين عام حزب العدالة والتنمية المغربي ورئيس الحكومة السابق، السبت، إنه يتفهم قرار المخزن بالتطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي ولن يدينه، لكنه في نفس الوقت ضد هذه الخطوة.
وأكد بن كيران أمام مسؤولي الحزب في المحافظات: نحن نتفهم موقف الدولة، ولن ندينه، لكننا نستغرب لهرولة البعض نحو التطبيع بأي شكل من الأشكال.
وأوضح في الوقت: لن يتغير موقفنا لسبب بسيط، وهو أن الإسرائيليين لا زالوا يسيئون إلى إخواننا الفلسطينيين ويأخذون أراضيهم ويجرفون أشجارهم ويعتدون عليهم.
بن كيران في مهمة تجميل وجه المخزن المغربي القبيح مجدد
ويوم 6 ديسمبر 2021، عاد عبد الإله بن كيران، أمين عام حزب العدالة والتنمية المغربي ورئيس الحكومة السابق، لتبرير خطوات نظام المخزن بالذهاب بعيدا في التطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي إلى درجة التنسيق العسكري، معتبرا ذلك له أسبابه المنطقية.وفي كلمة أمام قيادات حزب العدالة والتنمية، يقول بن كيران أن حزبه مع القضية الفلسطينية، لكن لن يعارض قرارات نظام المخزن أو الملك لأن له مبررات لإقامة علاقات مع الاحتلال الاسرائيلي.
وحسب بن كيران فمملكة محمد السادس “شريفة” وظلت تدعم القضية الفلسطينية، ليتناقض مع نفسه بأن مسألة التطبيع قديمة بالنسبة للمغرب.
ولم تكن لبن كيران، حتى الجرأة لقول ما قاله الوزير المغربي السابق سالم بنحميش، الذي وصف محاولات التطبيع التي تجري مع إسرائيل بمثابة استعمار جديد لبلاده، بصيغة جديدة من قبل كيان اغتصب الأراضي الفلسطينية.
