القائمة الرئيسية

الصفحات

المخزن يبيع مستشفيات المغرب لإنقاذ ميزانيته.. ديون مخفية ومالية على حافة الاختناق

 


في تطور يكشف الوجه الآخر الحقيقي للصورة الاقتصادية التي يسعى المغرب إلى تسويقها دوليا، فجّر تحقيق نشرته مجلة «أوريان 21» الفرنسية معطيات ثقيلة بشأن ما وصفه بالديون المستترة وراء آليات «التمويلات المبتكرة»، كاشفا كيف لجأت الدولة المغربية، منذ عام 2019، إلى بيع مئات العقارات العمومية، بينها مستشفيات ومؤسسات تعليمية ومبان إدارية، ثم إعادة استئجارها بعقود طويلة الأمد، في عملية أتاحت ضخ سيولة مالية فورية في الخزينة، لكنها تركت وراءها التزامات مالية تمتد لعقود.

القضية لا تتعلق بمجرد إجراء محاسبي أو ابتكار مالي لتدبير الموارد، بل بخيار اقتصادي يطرح أسئلة خطيرة حول كيفية إدارة المال العام، وحقيقة المؤشرات المالية التي تقدمها الحكومة المغربية، ومستقبل الممتلكات التي يفترض أنها تشكل رصيدا استراتيجيا للدولة وحقا للأجيال القادمة. فكيف تصل دولة إلى حد بيع مباني مستشفياتها، ثم دفع الإيجار مقابل مواصلة استخدامها، حتى تتمكن من توفير موارد مالية لا تظهر في الحسابات الرسمية باعتبارها اقتراضا تقليديا؟

وبحسب التحقيق الذي أعدته الصحفية جولي شودييه، بلغت قيمة العقارات العمومية التي جرى تفويتها في إطار هذه الآلية نحو 158 مليار درهم، أي ما يعادل قرابة 14.6 مليار يورو، بين عام 2019 والربع الثاني من 2026. والأكثر إثارة أن العمليات شملت 592 أصلا عقاريا، من بينها ستة مراكز استشفائية جامعية من أصل سبعة تابعة للدولة، إلى جانب مستشفيات عمومية ومراكز صحية ومؤسسات أخرى.

هنا تحديدا تتجاوز القضية الحسابات المالية لتصل إلى جوهر وظيفة الدولة الاجتماعية. فالمستشفى الذي يفترض أن يكون مرفقا عموميا مخصصا لخدمة المواطنين يتحول إلى أصل عقاري يجري تفويته لمؤسسات استثمارية، ثم تستمر الدولة في استخدامه مقابل إيجارات دورية. وبذلك تحصل الخزينة على أموال اليوم، لكنها تنقل كلفة امتلاك هذه المؤسسات واستعمالها إلى ميزانيات السنوات المقبلة.

والأخطر أن هذه العمليات لم تكن، وفق التحقيق، مصحوبة بمستوى كاف من الشفافية، إذ لم تنشر العقود التفصيلية التي تحدد شروط البيع وإعادة الاستئجار ومددها وقيم الإيجارات. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن طبيعة الالتزامات التي وقعت عليها الدولة، والجهات المستفيدة من هذه الصفقات، والضمانات التي تحمي المال العام من أي اختلال في التقييم أو التسعير.

وتكشف الأرقام حجم الرهان المالي الذي أقدمت عليه الحكومة المغربية. فبينما بلغت نسبة الدين العمومي الرسمي 67.1 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2025، يرى التحقيق أنه إذا أضيفت قيمة عمليات التفويت وإعادة الاستئجار إلى احتساب المديونية، فإن النسبة قد ترتفع إلى 75.9 بالمائة، وفق منهجية الحساب التي اعتمدها معد التحقيق. وهذا تقدير تحليلي وليس رقما رسميا معتمدا من المؤسسات المالية الدولية، لكنه يسلط الضوء على الفجوة المحتملة بين الدين المعلن والالتزامات المالية المستقبلية.

أما على مستوى عجز الميزانية، فيشير التحقيق إلى أن المغرب سجل عجزا بقيمة 60.5 مليار درهم سنة 2025، غير أن هذا الرقم احتسب ضمن الإيرادات 40.1 مليار درهم متأتية من عمليات التمويل المبتكر. وبحسب إعادة الاحتساب التي قدمها التحقيق، كان العجز سيبلغ 100.6 مليار درهم، أي ما يعادل 5.58 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، بدلا من النسبة الرسمية المقدرة بـ3.5 بالمائة.

ولم تتوقف التحذيرات عند حدود الصحافة الاقتصادية. فقد سبق للمجلس الأعلى للحسابات المغربي أن أشار إلى التشابه بين هذه العمليات وآليات التمويل القائمة على الإيجار التمويلي، فيما حذر البنك الدولي سنة 2024 من أن عمليات البيع وإعادة الاستئجار تنشئ التزامات دفع مستقبلية على الدولة، وأن تفاصيلها غير المنشورة قد تؤدي إلى ارتفاع النفقات الجارية وتضخيم الانطباع بتحسن عجز الميزانية.

فالدولة ستظل مطالبة بأداء الإيجارات المرتبطة بالعقارات التي سبق أن فوضتها، وهي التزامات قد تستمر عشرات السنوات. ويقدر التحقيق، استنادا إلى نسب إيجار تتراوح بين 5 و6 بالمائة من قيمة العقارات، أن الأعباء السنوية الإضافية قد تصل إلى ما بين 7.9 و9.48 مليارات درهم. وهي أموال ستخرج من الميزانيات المقبلة، على حساب أولويات أخرى، في مقدمتها الخدمات العمومية والاستثمار الاجتماعي.

وتزداد خطورة المسألة عندما يتعلق الأمر بالمستشفيات. فالدولة لا تتصرف هنا في عقارات تجارية يمكن الاستغناء عنها بسهولة، بل في منشآت ترتبط مباشرة بحق المواطنين في العلاج، وفي قدرة المرفق العام على الاستجابة للاحتياجات الصحية. ويحذر باحثون مغاربة استشهد بهم التحقيق من أن ارتفاع تكاليف الإيجار قد ينعكس على تكلفة الخدمات العامة، ولا سيما الخدمات الصحية، بما يضيف أعباء جديدة إلى قطاع يعاني أصلا من تحديات التمويل والتجهيز والموارد البشرية.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم على الحكومة المغربية ليس فقط أين ذهبت الأموال المتأتية من تفويت هذه الممتلكات، بل لماذا احتاجت الدولة إلى بيع أصولها العقارية ثم استئجارها مجددا لتمويل نفقاتها؟ ولماذا لم تنشر العقود التي تسمح للرأي العام والبرلمان بتقييم الكلفة الحقيقية لهذه الصفقات؟ وأي ضمانات تحول دون انتقال جزء متزايد من أملاك الدولة إلى قنوات استثمارية خاصة؟

إن المفارقة الكبرى أن الدولة التي يفترض أن توسع استثماراتها في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وجدت نفسها تلجأ إلى تحويل جزء من ممتلكاتها العمومية إلى مصدر للسيولة قصيرة الأجل، مقابل التزامات مالية طويلة الأجل. إنها معادلة تثير مخاوف حقيقية بشأن عدالة توزيع الأعباء بين الأجيال، وحول ما إذا كانت المؤشرات المالية المعلنة تعكس فعلا الوضع الاقتصادي أم تخفي وراءها التزامات لم تظهر كلفتها كاملة بعد.

ما كشفه «أوريان 21» يضع النموذج المالي المغربي أمام اختبار حقيقي: هل يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي مستدام بينما تتحول المستشفيات والمباني العمومية إلى أدوات لتوفير السيولة؟ وهل يكفي تحسين الأرقام المعلنة إذا كانت كلفة ذلك ستتحملها ميزانيات قادمة وأجيال لم تشارك في اتخاذ هذه القرارات؟

حين تضطر الدولة إلى بيع ممتلكاتها العمومية ثم استئجارها من جديد، فإن السؤال لم يعد عن حجم الأموال التي دخلت الخزينة، بل عن حجم الثروة التي خرجت منها، وعن الفاتورة التي ستبقى مفتوحة أمام المغربيين لسنوات طويلة.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...

الأكثر قراءة