جديد | يونيو 08, 2015 |
مقالات
من غياب التاريخ الى شباب بدون عنوان
شالت ذَنَبَها أمامي
كالعقرب علامة استفهام كبير, وشعرت بألم مفاجئ, بمجرد أن سألني شابٌّ صحراوي في مقتبل العمر, لعله في العقد الثالث, عَمّا معنى كلمة “10 مـاي”, التي سَمِع ـ كما قال ـ حديثا يتردد بشأنها ذلك الوقت. وكم كبرت واستفحلت, بجانب علامة الإستفهام هذه علامة تعجب أيضا, حالما أخبرني السائل بأنه سبق وأن شغل, لعدة شهور, مهمة إعلاميٍّ في مؤسسة وطنية!, قريبا من المُجمَّع التنظيمي “الشهيد الحافظ بوجمعة”, أو كما يسميه البعض “الرابوني”, الذي تُدارُ منه حاليا, ومؤقتا, شؤون الحركة والدولة الصحراوية في المنفى.
لقد أفهمتُ الشاب الذي كان يخاطبني بتشنج رَداً على شيء من اللوم الذي كنت وجهته له بالمناسبة. ولاحظت بأنه كان طليق اللسان فصيحه وذا ثقافة شمولية لا بأس بها, كما أنه غير مستعد فيما يبدو للتقليل من شأن ذاته أمامي, لكنه بسؤاله هذا الذي وجهه لي حول 10 ماي, قد بدا وكأنه أشبه بما لو كان أحد أبناء أو حفدة المهندس المعماري الفرنسي ألكساندر غوستاف أيفل, ويسأل في باريس ما هو برج أيفل, أو ما لو كان مواطنا بريطانيا, من سكان لندن, ويستفسر هناك ما معنى “بيغ بن”!.
المعنيُّ ليس فريدا من نوعه تماما, بل أمره مجرد عيِّنة, أوحالة واحدة فقط, من ظاهرة تكاد تغطي الخارطة الوطنية لشبابنا اليوم, إذ يكتسبون المعلومات الكثيرة, ويفتقدون في ذات الوقت شيئا مهما جدا, تركه الآباء والأجداد و لم يرثه الأبناء والأحفاد عنهم, وهو التاريخ. وحتى هذه الأيام, الذكريات الناصعة البياض, التي تُرفع لشأنها الأعلام, وتعلو الزغاريد, ويتكرر ذِكرها كل يوم عبر الأثير, يجهلها البعض!
صدقوني يؤسفني هذا الأمر, جيل يملك التاريخ والتجربة وثقافة المجتمع, وأجيال أخرى سليلة, هي الوريث الشرعي لهذا السلف, لا تملك إلا أقلامها وألسنتها وشهاداتها الورقية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
اللوم عليَّ وعلى أمثالي من الجيل السابق, لا على هذا الشاب وأمثاله المعوزين, الذين تركناهم وحالهم, بين الشوارع والمقعرات الهوائية, والمناهج الدراسية المختلفة النظم, في الداخل والخارج, والخالية غالبا من أي توجيه أيديولوجي صحيح, و من أي تاريخ تربويٍّ وطني يَخُصُّنا, وهو التاريخ الحافل بسوابق والأفعال والأحداث, الجديرة بالإستشراف والدُّنُوِّ لها, والتوقف عندها وتصفُّحها, وإعادة تشكيلها وصياغتها بالتالي, صياغة وطنية واعية, قبل وضعها في متناول شبابنا, لأخذها دروسا تُزوِّدهم ثقافيا, وتُحصِّـنهم سياسيا, وتُشبِّع انتماءهم لهويتهم الوطنية بالأساس.
التاريخ منبع الغنى ومدعاة الفخر, هو صلة الوصل بين الأجيال, حاضرها بسالفها ولاحقها, وحاضن وجودها الثقافي والحضاري, والرابط دائما لهذه الشجرة المسماة الشباب, بجذورها وتربتها ومائها, مما يحفظ لها نَسْغَها ونموها الطبيعي, ويحميها من اليُبس والتحطم.
تاريخنا لا بد من الإلتفات إليه والتمسك به والتزود منه, إنه كنز ثمين لا يستحق الإهمال أو التفريط, ومتحف المقاومة الوطنية عندنا نموذج, وإن لا بدَّ من دعمه وتطويره وحمايته. إنه تجربة رائعة تحفظ جانبا مُهمّاً من تاريخنا الوطني المجيد وتشكل شهادة قوية عليه. عملية تجميع التاريخ و”غربلته” قبل تقديمه, غذاءً صحيّاً متكاملا ومنظما, تتطلب وقتا في انتظار الإعداد والإنضاج, ولذلك فأن الحاجة الآن هي لتقديم حلقات سريعة وخفيفة للشباب من التاريخ, تشبه وجبات الـ “فاست فود”, إن جاز التعبير, تشمل إلقاء المحاضرات وإعداد البحوث, وإجراء المسابقات في مواضيع محددة أو مفتوحة, تنبش في التاريخ لتُشهِّر معالمه وآثاره وتُقرِّبه, ضمن خطة هادفة, شاملة ومستمرة ومنتظمة. ولا ينبغي الإنتظار حتى يكون كل شيء على ما يرام. كما أنه لا تُغْني النُتَـفٌ القليلة, التي تخص أحداثا ومناسبات وطنية معينة, يتلقاها التلميذ عندنا كدروس, في مراحل محددة من تعليمه, بإشراف مَن هُم أمسُّ حاجة منه أحيانا لمثل ذلك التلقي أو التلقين. ليس تقليلا من شأنهم ولكنه الحال.
وقبل أنْ يَسوء فهم البعض فيتهمني خطأ بجهل أو بتجاهل واقع معروف, أو بأنني كمن يخاطب الظروف ويخاصمها!, أقول بأن المطلوب ليس بعيدا تماما أو مستحيلاً أو غير ممكن, هو: حصول الوَعْيٍ بضرورة وأهمية الموضوع, مع توفر الرغبة أو الإرادة الوطنية, قبل تقديم جهود ذاتية مخلصة, لإنقاذ أحد أهم مكونات وجودنا الحضاري والثقافي, وهو التاريخ, من النسيان أو التهميش. أعني من يملك قدرة, أو عنده فكرة, أو لديه تخويل, أو يفقه حيلة, ممن يمسكون حاليا زمام المبادرة. ولا أوجِّه نقدي للنتائج المترتبة على العوامل الموضوعية المفروضة.
لكنَّ مَن تَدرَّجوا في التعليم من شبابنا, وبلغوا مستوى الكفاية فيه وسنَّ الرشد, ومنهم من صاروا في عمر الأبوة اليوم, لا يمكنهمُ, هُمْ أيضا, إلاّ أن يتفضلوا الآن بحَمل جانب من الوِزْر, فيمدُّوا أقلامهم وأسلحتهم الأخرى, لهدم ذلك الفراغ الحاصل في نسيج الهوية الوطنية عندنا. وعلى الأكابر من جهتهم, ومنهم بعض الأطر بالأخص, مدُّ يَدِ المساعدة العاجلة, بالإفراج عما يتراكم لديهم, خلف أبواب الذاكرة, من معلومات تطال أحداث الماضي, كالتي ساهموا في صنعها مباشرة أوعايشوها, أو التي ورثوها من قبلُ عن الأسلاف.
إهمال التاريخ أو التغافل عنه من جانبنا, هو بمثابة عقاب جماعي غير مستحَق لشبابنا وأجيالنا اللاحقة, إذ سيجدون أنفسهم أمام فراغ وجوديٍّ حقيقي لا يستطيعون معه البدء من الصفر, وستكون الحيرة والتذبذب مآل الكثير منهم. ترى ما هي الصورة التي سيكوِّنها هؤلاء الشباب, أو تُكوَّن لهم!, عن الماضي, في ظل غياب “الإنتاج المحلي” للمعلومة التاريخية الوطنية وتقديمها من لدُنَّا نحن؟.
إن شبابا بدون حاضنة تربوية صحيحة, أساسها التزوُّد من التاريخ الوطني والثقافة الوطنية, اللذَين يخُصَّان مجتمعه وبلده, هو شباب لا ينضوي تحت أي عنوان بارز, ولا يمكن التثبت من انتمائه لأي إطار وطني محدد. فعناصر الهوية الوطنية لا يمكن أن يحددها العرق, أو تشكلها البطاقة والإقامة مثلا, بل لا بد من الإمتداد الروحي والمعنوي في الماضي المحلي, بما يعنيه من أحداث وجغرافيا ومجتمع وعلاقات, كأسس تبرر موضوعية وأحقية أي انتماء وطني صحيح.
أمام هذا العَوَز الثقافي لدى الكثير من شبابنا اليوم, في أحد أهم عناصر هويتهم الوطنية, يكتسب البعض, عن طريق الحظ, في مزاولة المسؤلية العمومية ومعايشة الأحداث, معلومات تاريخية كثيرة ومهمة, تليدة وجديدة, لكن البعض من هذا البعض, ظل يحتفظ بما عنده من هذا “المُلْكْ”, دون أن “يَتصدَّق” منه أو يزكيه, كما لو كان يكتنزه كالحسنات ليوم الحساب!.
بقلم: حسن مولود
كالعقرب علامة استفهام كبير, وشعرت بألم مفاجئ, بمجرد أن سألني شابٌّ صحراوي في مقتبل العمر, لعله في العقد الثالث, عَمّا معنى كلمة “10 مـاي”, التي سَمِع ـ كما قال ـ حديثا يتردد بشأنها ذلك الوقت. وكم كبرت واستفحلت, بجانب علامة الإستفهام هذه علامة تعجب أيضا, حالما أخبرني السائل بأنه سبق وأن شغل, لعدة شهور, مهمة إعلاميٍّ في مؤسسة وطنية!, قريبا من المُجمَّع التنظيمي “الشهيد الحافظ بوجمعة”, أو كما يسميه البعض “الرابوني”, الذي تُدارُ منه حاليا, ومؤقتا, شؤون الحركة والدولة الصحراوية في المنفى.
لقد أفهمتُ الشاب الذي كان يخاطبني بتشنج رَداً على شيء من اللوم الذي كنت وجهته له بالمناسبة. ولاحظت بأنه كان طليق اللسان فصيحه وذا ثقافة شمولية لا بأس بها, كما أنه غير مستعد فيما يبدو للتقليل من شأن ذاته أمامي, لكنه بسؤاله هذا الذي وجهه لي حول 10 ماي, قد بدا وكأنه أشبه بما لو كان أحد أبناء أو حفدة المهندس المعماري الفرنسي ألكساندر غوستاف أيفل, ويسأل في باريس ما هو برج أيفل, أو ما لو كان مواطنا بريطانيا, من سكان لندن, ويستفسر هناك ما معنى “بيغ بن”!.
المعنيُّ ليس فريدا من نوعه تماما, بل أمره مجرد عيِّنة, أوحالة واحدة فقط, من ظاهرة تكاد تغطي الخارطة الوطنية لشبابنا اليوم, إذ يكتسبون المعلومات الكثيرة, ويفتقدون في ذات الوقت شيئا مهما جدا, تركه الآباء والأجداد و لم يرثه الأبناء والأحفاد عنهم, وهو التاريخ. وحتى هذه الأيام, الذكريات الناصعة البياض, التي تُرفع لشأنها الأعلام, وتعلو الزغاريد, ويتكرر ذِكرها كل يوم عبر الأثير, يجهلها البعض!
صدقوني يؤسفني هذا الأمر, جيل يملك التاريخ والتجربة وثقافة المجتمع, وأجيال أخرى سليلة, هي الوريث الشرعي لهذا السلف, لا تملك إلا أقلامها وألسنتها وشهاداتها الورقية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
اللوم عليَّ وعلى أمثالي من الجيل السابق, لا على هذا الشاب وأمثاله المعوزين, الذين تركناهم وحالهم, بين الشوارع والمقعرات الهوائية, والمناهج الدراسية المختلفة النظم, في الداخل والخارج, والخالية غالبا من أي توجيه أيديولوجي صحيح, و من أي تاريخ تربويٍّ وطني يَخُصُّنا, وهو التاريخ الحافل بسوابق والأفعال والأحداث, الجديرة بالإستشراف والدُّنُوِّ لها, والتوقف عندها وتصفُّحها, وإعادة تشكيلها وصياغتها بالتالي, صياغة وطنية واعية, قبل وضعها في متناول شبابنا, لأخذها دروسا تُزوِّدهم ثقافيا, وتُحصِّـنهم سياسيا, وتُشبِّع انتماءهم لهويتهم الوطنية بالأساس.
التاريخ منبع الغنى ومدعاة الفخر, هو صلة الوصل بين الأجيال, حاضرها بسالفها ولاحقها, وحاضن وجودها الثقافي والحضاري, والرابط دائما لهذه الشجرة المسماة الشباب, بجذورها وتربتها ومائها, مما يحفظ لها نَسْغَها ونموها الطبيعي, ويحميها من اليُبس والتحطم.
تاريخنا لا بد من الإلتفات إليه والتمسك به والتزود منه, إنه كنز ثمين لا يستحق الإهمال أو التفريط, ومتحف المقاومة الوطنية عندنا نموذج, وإن لا بدَّ من دعمه وتطويره وحمايته. إنه تجربة رائعة تحفظ جانبا مُهمّاً من تاريخنا الوطني المجيد وتشكل شهادة قوية عليه. عملية تجميع التاريخ و”غربلته” قبل تقديمه, غذاءً صحيّاً متكاملا ومنظما, تتطلب وقتا في انتظار الإعداد والإنضاج, ولذلك فأن الحاجة الآن هي لتقديم حلقات سريعة وخفيفة للشباب من التاريخ, تشبه وجبات الـ “فاست فود”, إن جاز التعبير, تشمل إلقاء المحاضرات وإعداد البحوث, وإجراء المسابقات في مواضيع محددة أو مفتوحة, تنبش في التاريخ لتُشهِّر معالمه وآثاره وتُقرِّبه, ضمن خطة هادفة, شاملة ومستمرة ومنتظمة. ولا ينبغي الإنتظار حتى يكون كل شيء على ما يرام. كما أنه لا تُغْني النُتَـفٌ القليلة, التي تخص أحداثا ومناسبات وطنية معينة, يتلقاها التلميذ عندنا كدروس, في مراحل محددة من تعليمه, بإشراف مَن هُم أمسُّ حاجة منه أحيانا لمثل ذلك التلقي أو التلقين. ليس تقليلا من شأنهم ولكنه الحال.
وقبل أنْ يَسوء فهم البعض فيتهمني خطأ بجهل أو بتجاهل واقع معروف, أو بأنني كمن يخاطب الظروف ويخاصمها!, أقول بأن المطلوب ليس بعيدا تماما أو مستحيلاً أو غير ممكن, هو: حصول الوَعْيٍ بضرورة وأهمية الموضوع, مع توفر الرغبة أو الإرادة الوطنية, قبل تقديم جهود ذاتية مخلصة, لإنقاذ أحد أهم مكونات وجودنا الحضاري والثقافي, وهو التاريخ, من النسيان أو التهميش. أعني من يملك قدرة, أو عنده فكرة, أو لديه تخويل, أو يفقه حيلة, ممن يمسكون حاليا زمام المبادرة. ولا أوجِّه نقدي للنتائج المترتبة على العوامل الموضوعية المفروضة.
لكنَّ مَن تَدرَّجوا في التعليم من شبابنا, وبلغوا مستوى الكفاية فيه وسنَّ الرشد, ومنهم من صاروا في عمر الأبوة اليوم, لا يمكنهمُ, هُمْ أيضا, إلاّ أن يتفضلوا الآن بحَمل جانب من الوِزْر, فيمدُّوا أقلامهم وأسلحتهم الأخرى, لهدم ذلك الفراغ الحاصل في نسيج الهوية الوطنية عندنا. وعلى الأكابر من جهتهم, ومنهم بعض الأطر بالأخص, مدُّ يَدِ المساعدة العاجلة, بالإفراج عما يتراكم لديهم, خلف أبواب الذاكرة, من معلومات تطال أحداث الماضي, كالتي ساهموا في صنعها مباشرة أوعايشوها, أو التي ورثوها من قبلُ عن الأسلاف.
إهمال التاريخ أو التغافل عنه من جانبنا, هو بمثابة عقاب جماعي غير مستحَق لشبابنا وأجيالنا اللاحقة, إذ سيجدون أنفسهم أمام فراغ وجوديٍّ حقيقي لا يستطيعون معه البدء من الصفر, وستكون الحيرة والتذبذب مآل الكثير منهم. ترى ما هي الصورة التي سيكوِّنها هؤلاء الشباب, أو تُكوَّن لهم!, عن الماضي, في ظل غياب “الإنتاج المحلي” للمعلومة التاريخية الوطنية وتقديمها من لدُنَّا نحن؟.
إن شبابا بدون حاضنة تربوية صحيحة, أساسها التزوُّد من التاريخ الوطني والثقافة الوطنية, اللذَين يخُصَّان مجتمعه وبلده, هو شباب لا ينضوي تحت أي عنوان بارز, ولا يمكن التثبت من انتمائه لأي إطار وطني محدد. فعناصر الهوية الوطنية لا يمكن أن يحددها العرق, أو تشكلها البطاقة والإقامة مثلا, بل لا بد من الإمتداد الروحي والمعنوي في الماضي المحلي, بما يعنيه من أحداث وجغرافيا ومجتمع وعلاقات, كأسس تبرر موضوعية وأحقية أي انتماء وطني صحيح.
أمام هذا العَوَز الثقافي لدى الكثير من شبابنا اليوم, في أحد أهم عناصر هويتهم الوطنية, يكتسب البعض, عن طريق الحظ, في مزاولة المسؤلية العمومية ومعايشة الأحداث, معلومات تاريخية كثيرة ومهمة, تليدة وجديدة, لكن البعض من هذا البعض, ظل يحتفظ بما عنده من هذا “المُلْكْ”, دون أن “يَتصدَّق” منه أو يزكيه, كما لو كان يكتنزه كالحسنات ليوم الحساب!.
بقلم: حسن مولود
