-->
جديد | يونيو 05, 2015 |

تقرير المصير: الموت الكلينيكي

حق تقرير المصير ظهر إلى النور بعد مخاض عسير عاشته البشرية تميز بالكثير من
الظلم والقهر وسيطرة القوي على الضعيف وأنتعش هذا الحق وعاش أجمل فترات عمره بعد الحربين العالميتين المدمرتين الأولى والثانية، وبداية خروج دول الإستعمار الأوروبي من قارات العالم التي غزتها وعاثت فيها فسادا لقرون. حينها إستيقظ أو بالأحرى إستفاق الضمير الغربي من سكرة الرعونة ونزوة الجبروت ونادى بضرورة منح الشعوب حقها في تقرير مصيرها وتحديد طموحاتها السياسية، ودافع ورافع عن الموضوع وسن القوانين التي تساعد على تطبيق المبدأ.
في فترة إنتعاش هذا الحق منتصف القرن الماضي اي قبل ما يقارب السبعين عاما، حصلت العديد من الشعوب على ممارسة هذا الحق وإختيار مصيرها، ولم يكن الأمر بالسهولة التي قد يتصورها أبناء الجيل الحالي أو من وُلد بعد ذلك بسنوات، فحقيقة الأمر أن كل حالات الاستقلال المُسجلة عبر التاريخ لاتخرج عن تصنيفين لا ثالث لهما: الأول وهو الحاسم يتمثل في إنتزاع الحق بالقوة أو خلق عوامل مقاومة ضاغطة مستمرة تُرغم المُحتل على التخلي عن ما ليس له، والثاني هو العوامل الموضوعية المُحيطة بقضية ما وتُرغم المُستعمر على منح الاستقلال لبلد معين ذو مكانة ثانوية لتخفيف الضغط عنه، والمحافظة على منطقة أخرى أكثر اهمية (حالة منح فرنسا الإستقلال لقرابة 12 بلدا أفريقيا من أجل التمسك بالجزائر).
إذا لم يكن الحق في تقرير المصير منحة سهلة أو بطيب خاطر، ومن جهة أخرى ووفقا للعارفين بخبايا التفكير الغربي وسوداويته ودسائسه فإنه لم يتم الإعلان عن ضرورة تمتيع الشعوب بهذا الحق إلا بعد أن وُضعت البدائل لتحقيق إستعمار من نوع آخر يتمثل في الإستعمار الإقتصادي والتبعية السياسية، ثم بعد ذلك ظهرت أيضا طُرق أُخرى للتحكم في الشعوب ومسخها عن طريق السيطرة على مكوناتها الثقافية والتحريك الخبيث لتركيبتها الإثنية وما إلى ذلك من سبل ينهجها الغرب لإستمرار الحفاظ على مصالحه في أصقاع العالم.
ومر الزمن سريعا ممتعا على أقوام وشعوب، بطيئا ومٌملا على آخرين كل حسب أوضاعه أو طريقته في الكفاح والإستماتة، والأيام لا تمض جزافا وبالنتيجة الطبيعية تتلف الاشياء وتبهت ويتغير لونها وطعمها وحتى المعنى يتغير، وتقرير المصير ليس إستثناءا من قاعدة تأثير الزمن، وحتى القانون الذي بموجبه تحقق تعرض هو الآخر لصفعة الزمن وإن بطرق عملية يتم تنفيذها على أرض الواقع دون المس بالنصوص.
وتعتبر الصحراء الغربية الإقليم الأكبر مساحة ولكن من الأقل تعدادا للسكان من بين الأقاليم المسجلة لدى منظمة الأمم المتحدة والتي لم تتمتع بعد بحقها في تقرير المصير، وبالعودة إلى خطورة الزمن على الاشياء والقوانين فإن هذه الاقاليم منسية تماما ولا توجد إلا في أرفف المنظمة ويغطيها الغبار، ولمن يريد أن يمتحن ذلك هذه هي أسماء الاقاليم مأخوذة من موقع المنظمة:
أفريقيا: الصحراء الغربية/ المحيط الاطلسي والكاريبي:أنغيلا، برمودا، جزر فرجن البريطانية، جزر كايمان، جزر فوكلاند(مالفيناس)، مونتسيرات، سانت هيلانة، جزر تركس وكايكوس، جزر فرجن الامريكية./ أوروبا: جبل طارق./ المحيطان الهادي والهندي: ساموا الامريكية، غوام، كاليدونيا الجديدة، بيتكيرن، توكيلاو. وكلها خاضعة لإدارة المملكة المتحدة أوالولايات المتحدة عدا كاليدونيا الجديدة الخاضعة للإدارة الفرنسية، وتوكيلاو للإدارة النيوزيلندية والصحراء الغربية الخاضعة لإدارة المملكة المغربية. يمكن لكل قارئ كريم أن يحكم بنفسه على مدى معرفته بهذه الاقاليم وهل سمع بها يوما، وهل لها من ذكر غير الذي اشرنا له في دهاليز الأمم المتحدة. 
الصحراء الغربية هي الاقليم الوحيد في أفريقيا المُسجل في هذه اللائحة، والذي تتم معالجته من طرف الامم المتحدة وفقا لمخطط التسوية الافريقي الاممي منذ قرابة ربع قرن، والموضوع من الناحية القانونية والوثائقية والأممية لا غبار عليه، ولكنه على أرض الواقع يتطلب بعض التمعن والفحص والدراسة، ومحاولة معرفة مدى تعامله مع مرور الزمن أو مدى الحت الذي الحقه به الدهر. وفي هذا السياق هناك الكثير يمكن قوله والكثير تجب الإشارة إليه، ومنه أن القوانين هي حبر على الورق ولا تسر ولا تصبح فعالة ما لم تجاريها عوامل ضغط لصالح التنفيذ، ومنه أن الزمن من حولنا يتغير ومعه تتغير المعاني وتتطور القوانين والاضداد وربما يصبح القانون بفعل الزمن لا يعكس بالضبط الغاية التي تسعى اليها، وعليه من الواجب علينا قراءة الأحداث ومتابعة التغيرات والمستجدات والتعاطي معها وفقا لما تتطلبه الحاجة وبما سيمكننا من الاستمرار في الحفاظ على مصلحتنا ونيل الحق. وتجب الإشارة إلى أن الحق عبر الزمن لم يكن ليطغى لوحده إلا في عالم الملائكة أو المدينة الفاضلة وكلاهما فرضي وغير موجود. كما يجب أن لا يغيب عنا أنه لكل زمن لغته سواء في القانون أو على أرض الواقع وغاية المتنفذين دائما هي الحفاظ على مصالحهم وغيرهم فليذهب الى الجحيم، وأن طغيان شعارات ما أو ممارسات معينة هي الدليل على اللغة التي يجب أن يتقنها من يريد تحقيق مراميه. وأن الحق في تقرير المصير في لغة هذا الزمان معرض للأعراض التي يمكن أن يوصف معها بأنه ميت سريريا أو كلينيكيا بمعنى أنه من الناحية الطبية لم يتبق منه إلا الروح المكتوبة على الورق أما وظائفه ووظائف أجهزته العضوية فقد توقفت، ويتم إستبدالها بآلات تبقيه يتنفس وعلى قيد الحياة ولكنه مستلق على سرير المرض لا حياة فيه.
حمادي البشير

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *