ليال بلا قمر

بقلم : محمود خطري
في منتصف السبعينات كان الطالب الصحراوي عبد الرحمان خواجة في كلية الطب ، يحلم بمستقبل لنفسه ، ويخطط لمشاريع جميلة لنفسه ، فقد كانت الجامعة بأسوارها ومحيطها العلمي توحي بضرورة الاجتهاد لاجتياز مرحلة من مراحل الحياة ، لتدخل بعد اجتيازها مرحلة تطبيقية على كل ما درسته نظريا .
ان ملامح عبد الرحمان الصحراوية وسمرته العربية ، ادت به الى الاختطاف ، ثم الى السجن ، ليتحول من طالب جامعي بكلية الطب ، الى رقم عددي بإحدى السجون المغربية .
انه الاختطاف على الهوية ....ذلك هو الاختصار لحكاية مؤلمة وحزينة وطويلة لكتاب " ليال بلا قمر " ، للدكتور الصحراوي والمعتقل السياسي السابق عبد الرحمان خواجة ، اكثر من 14 سنة قضاها في السجن ، كلها ليال بلا قمر ، بلا ضوء يشع من نوره بصيص امل ، كانت ليال حالكة وطويلة ، شديدة وباردة ولعينة ، كانت رائحة الموت تفوح من كل الزنازين والنوافذ ، وضمة القبر تنتظره بين الفينة والأخرى .
يتسلل الوجع والمرض والقمل الى جسد عبد الرحمان كان يقاوم ،يصرح يتألم ، ماذا تريد مني ؟ كيف تأكل جسدا منهكا ومتعبا وكسيحا ؟ لا أحد كان يجيب ، كل تلك الامراض كانت تنتشر كالذباب على جسده ، تلتهمه كقطيع مفترس ينهش فريسة استسلمت للنهاية .
القمر الغائب الاول في تلك الليالي ، ينتظره السجين كل ليلة ولا يأتي ، يناجيه أن يحضر فيصر على الغياب ، يرسمه في قلبه لوحة جميلة ، فينكسر كزجاجة في ذلك القلب المحطم .
صفحات كتاب " ليال بلا قمر " سطرها الدكتور سطرا سطرا ، وجعا وجعا ، سوطا سوطا ، تنبعث من بين الصفحات والسطور روائح التعذيب وأقبية الموت الممتلئة بالجثث ، بآهات المسجونين والمعذبين .
كل ورقة من الكتب هي قطرة دم ، ودمعة ساخنة ، وزفرة مدوية ، لآلاف الصحراويين الذين قضوا في السجون والمحتشدات المغربية .
كانت كل كلمة من كلماته تعبير عن حالة كل من مر بتجربة مؤلمة في تلك المخابئ والقلاع المميتة
في السجن أستشهد مئات الصحراويين ، اعتقلوا ، عذبوا ، وسلبوا كرامتهم ، لكن ورغم تلك المآسي التي مروا بها لم يكتب أحد منهم تجربته المرة في تلك السجون القاتلة ، خرج الكثير منهم الى الحياة ، وعجزوا عن كتابة سطر عن تلك الفترة ، فباستثناء كتاب اشعار بالحياة للمعتقل السياسي الصحراوي السابق سعيد البيلال ،  وقبو العمر للمعتقل السياسي الصحراوي السابق  سيدامو بابوزيد ، تبقى التجارب الاخرى يحترق أصحابها ويضيع الغمر دون ان ترى النور .
الدكتور عبد الرحمان خواجة يستحق التقدير على الشجاعة ، وعلى المساهمة في حفظ الذاكرة الصحراوية ، او على الاقل جزء منها ، وهي دعوة للمعتقلين السياسيين الصحراويين الى الشروع في الكتابة عما عانوه من ظلم وتعذيب واختطاف ، حتى لا يلف تلك  المرحلة الحزينة الغموض والنسيان .
علينا أن نتحرك كي ننفض ، وننفض الغبار عن تلك السنوات ، ونعاند النسيان ، ونترك المقود للذاكرة كي تنطلق ، وتبوح بكل التفاصيل ، وتعبر عما بقي فيها من اثار الجراح وكدمات الزمن ، وتحفظ لشعب سيرة مؤلمة من حياة نضاله الطويلة والشاقة .

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.