بعد خمسين عاماً من النضال والتضحيات، هل يُعقل أن يظل الشعب الصحراوي يخشى كل شهر أكتوبر وكأن مصيره يبدأ وينتهي بقرار يصدر من نيويورك؟
هذه ليست مسألة نفسية عابرة، بل سؤال سياسي يستحق أن تواجه به جبهة البوليساريو نفسها قبل أن تواجه به خصومها. فمن غير الطبيعي أن تتحول اجتماعات مجلس الأمن، عاماً بعد عام، إلى مصدر قلق جماعي يترقب خلاله الصحراويون ما ستقرره القوى الكبرى بشأن مستقبلهم، وكأنهم فقدوا القدرة على التأثير في مسار قضيتهم خارج قاعة المجلس.
لا أحد ينكر أهمية الأمم المتحدة أو ضرورة خوض المعركة الدبلوماسية، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح انتظار القرار الدولي بديلاً عن المبادرة الوطنية، وعندما ينشغل المواطنون بتوقع الأسوأ أكثر مما تنشغل بما يمكنهم فعله لتغيير الواقع. فالقضية التي تنتظر من الآخرين أن يقرروا مصيرها، من دون امتلاك خطة مستقلة لمواجهة الضغوط والاحتمالات، تضع إرادتها الوطنية تحت رحمة حسابات لا تتحكم فيها.
وهنا تقع المسؤولية التاريخية على جبهة البوليساريو باعتبارها طليعة النضال الوطني الصحراوي. فبعد نصف قرن من التجربة، لا يكفي أن تحسن القيادة السياسية إدارة ردود الفعل على القرارات الدولية؛ المطلوب أن تنتقل إلى صناعة الأحداث، وأن تمتلك استراتيجية وطنية متكاملة لا تتغير بوصلتها مع كل اجتماع لمجلس الأمن، ولا تتوقف تعبئتها بانتهاء اجتماعاته.
إن المشكلة ليست في متابعة ما يجري في نيويورك، بل في أن يصبح جدول أعمالنا الوطني تابعاً لجدول أعمال الآخرين. وليس المطلوب الانسحاب من المعركة الدبلوماسية، بل تحريرها من وهم أنها الطريق الوحيد إلى تقرير المصير. فالدبلوماسية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها تعويض ضعف المبادرة، ولا أن تحل محل مجتمع منظم، وجبهة داخلية متماسكة، ومؤسسات قادرة على تجديد الثقة وتعبئة الطاقات.
إن المسؤولية لا تقع كلها على القوى الدولية، مهما كانت حساباتها وانحيازها؛ هناك أيضاً مسؤولية وطنية في مراجعة أساليب العمل، وتقييم النتائج، وتصحيح الاختلالات، وإشراك المجتمع في صياغة الأولويات. إن النقد المسؤول ليس طعناً في الجبهة، بل دفاع عن قدرتها على الاستمرار والتجدد، لأن شرعية أي حركة تحرر لا يحميها تاريخ التضحيات وحده، وإنما يحميها أيضاً قدرتها على الاستجابة لتطلعات شعبها.
لقد بدأ الشعب الصحراوي كفاحه لأنه آمن بحقه في الحرية، لا لأنه كان يضمن مساندة القوى الكبرى. وهذه الحقيقة ينبغي ألا تضيع وسط ضجيج التحليلات والتسريبات والمواعيد الأممية. فالمراهنة على عدالة القضية لا تعني انتظار أن تتحرك العدالة وحدها، بل تقتضي امتلاك الإرادة والتنظيم والرؤية التي تجعل الحق حاضراً في كل ميدان.
بعد خمسين عاماً، آن الأوان لأن يتغير السؤال الذي يرافق كل شهر أكتوبر. بدلاً من أن نسأل فقط: ماذا سيقرر مجلس الأمن بشأننا؟ ينبغي أن نسأل: ماذا أعددنا نحن للدفاع عن حقنا؟ وما الذي أنجزناه خلال العام لتعزيز قدرتنا على الصمود والمبادرة؟ وما خطتنا إذا جاءت النتائج مخالفة لتطلعاتنا؟
إن التحدي أمام جبهة البوليساريو ليس فقط كيف تواجه قرار مجلس الأمن المقبل، بل كيف تمنع تحوّل انتظار هذا القرار إلى نمط دائم في الحياة السياسية الصحراوية. فالشعب الذي انتظر الإنصاف نصف قرن لا يحتاج إلى جرعة أمل جديدة كل خريف، بل إلى مشروع وطني واضح، ومؤسسات فعالة، واستراتيجية تجعل إرادته أساساً للفعل السياسي وقبل كل شيء أداة مبدعة قادرة وحاسمة. فاليد التي ترتعش لا تطلق رصاصة.
لقد آن الأوان للخروج من دائرة أكتوبر المتكرر: ترقب، وقلق، وانتظار، ثم استنفار جديد في العام التالي. فهل تبادر جبهة البوليساريو وهي قادمة على مؤتمرها السابع عشر إلى بناء استراتيجية وطنية تجعل كل يوم خطوة نحو تقرير المصير، أم سنظل ننتظر أكتوبر المقبل كي نعرف مقدار الأمل المسموح لنا به؟
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام الرأي الوطني الصحراوي هو: هل سنظل شعباً يستيقظ سياسياً كل أكتوبر، أم سنبني استراتيجيه تجعل كل يوم من أيام السنة خطوة محسوبة نحو الحرية وتقرير المصير؟ وأمام "لجنة 155" أن تحضر الأجوبة الشافية قبل غيرها وهي التي أوكل لها تحديد توجهات المؤتمر القادم بوضع استراتيجية فعالة ومحددة الأهداف وألا تَحوّل انتظارنا لمجلس الأمن إلى استراتيجية وطنية!!
بقلم: محمد فاضل الهيط
