القائمة الرئيسية

الصفحات

 


يقول المثل الصحراوي: "تروام البكرة على بو "
المانيفستو الوجودي للثورة الصحراوية:
 "تشريح الخداع الأممي والعودة إلى راديكالية التحرير"

بقلم: بابوزيد محمد سعيد
"إن الشعوب لا تُهزم حين تُحارب، بل حين تُقنع بأن هزيمتها هي قدر محتوم، وأن الإستسلام هو أعلى درجات العقلانية."
— إيمزيه سيزار


- في تشريح الخداع.. حين يتحول مجلس الأمن إلى "محضر إعدام"

في عتمة الورش الدبلوماسية لدوائر صنع القرار الدولي، حيث تُحاك خيوط الهزائم الرمزية بمهارة الخبثاء، لم تعد "المسودة الأمريكية" (Draft 1) بشأن الصحراء الغربية مجرد نص قانوني قابل للنقد أو التعديل؛ بل هي "هندسة إبادة سياسية" متكاملة الأركان. 
إنها محاولة دنيئة لتدجين المعنى، وإخصاء التاريخ، وتحويل قضية تصفية استعمار مكفولة بقرارات الشرعية الدولية (قرار 1514 وقرار 690) إلى مجرد "نزاع إداري" على تدبير شؤون محلية تحت السياط الاستعمارية.

إننا نقف اليوم أمام "الموت الإكلينيكي للشرعية الدولية". فحين تتبرأ واشنطن من كلمة "استفتاء" في المادة الرابعة، وتستبدلها بـ "آليات استشارية" مزيفة لمعرفة آراء السكان حول مقترح الحكم الذاتي (المادة الثامنة)، فإنها لا تمارس انحيازاً تكتيكياً لموازين القوى، بل ترتكب جريمة اغتيال مع سبق الإصرار والترصد لحق تقرير المصير.

إن هذه الوثيقة المشؤومة تتجاوز التضليل إلى "الاستنساخ السياسي"، عبر محاولة خلق "بدائل صحراوية" (المادة السابعة) تُفصّل على مقاس الاحتلال. إنهم يريدون شعباً بلا ذاكرة، وقيادة بلا شرعية، ووطناً بلا سيادة.

في هذا المقال ليس محاولة لقراءة سياسية عابرة؛ إنه دعوة الى إعلان القطيعة مع وهم "الواقعية الدبلوماسية"، وعودة جذرية إلى راديكالية البدايات، حيث الدم، والنار، والإرادة العارية هي وحدها التي تكتب مصير الأمم.

- رياضيات الرفض.. العبث مقابل المبدأ

"الثورة ليست صراعاً بين الباطل والحق، بل هي صراع بين القديم الذي يرفض أن يموت، والجديد الذي يولد وسط المخاض والدم."
— فرانتز فانون

في هندسة السياسة الدولية، يُراد للشعوب المستعمرة أن تدخل في "معادلة خاسرة حصرياً" (Zero-Sum Game of Subjugation)، حيث يُطلب منها أن تفاوض على أدوات موتها، وأن تمنح محتلها صكوك غفران أممية برضخها لعملية تفاوضية نُزعت منها أبسط مقومات النزاهة.

هنا، تصبح المقاربة السياسية الذكية بمثابة "رياضيات الرفض":

· معادلة الانخراط (الانتحار البطيء): المشاركة في هذا العبث تعني تحويل الشعب الصحراوي من صاحب حق تاريخي يقاتل من أجل حريته، إلى مجرد "شريك إداري" في تدبير احتلاله. الانخراط يعني إضفاء الشرعية على الجريمة، وتوقيع وثيقة الطلاق مع التاريخ.

· معادلة الانسحاب (الانبعاث الوجودي): إذا رفض الشعب الصحراوي المشاركة في هذا العبث، فإنه لن يخسر أكثر مما سيخسره لو انخرط فيه. بل إنه سيستعيد حرية المناورة. إن كلفة الرفض، مهما بلغت قسوتها الميدانية، تظل أقل بكثير من كلفة الخيانة التاريخية بالإنخراط في مسرحية هزلية تقصي خيار الاستقلال.

وكما علّمنا الشهيد المؤسس الولي مصطفى السيد:

"إن الشعب الصحراوي لم يخرج ليكون ديكوراً في مخيمات، ولا ليطعم عجل الإمبريالية بكرامته.. إما أن نعيش أحراراً على ترابنا الوطني، أو ننفجر في وجه العالم طوفاناً لا يُبقي ولا يذر."

الرفض هنا ليس مجرد موقف سياسي تكتيكي، بل هو فعل تطهير وجودي؛ إنه إعادة الاعتبار للإنسان الصحراوي بوصفه كائناً حراً يرفض أن يُختزل في رقم داخل تقارير المبعوثين الأمميين.

- سقوط معابد الوهم.. اتفاق 1991 والتحرر من قيود السراب

لقد كان اتفاق وقف إطلاق النار لسنة 1991 عقداً اجتماعياً وقانونياً مؤقتاً، أُبرم بناءً على تعهد دولي صريح يتمثل في تنظيم استفتاء حر، نزيه، وشفاف لتقرير المصير. لم يكن ذلك الاتفاق قطيعة مع الثورة، بل كان هدنة مشروطة بوفاء المجتمع الدولي بالتزاماته. 
لكن، حين تتبرأ الأمم المتحدة من عهدها (كما نصت المادة الرابعة من المسودة)، وتتبنى منطق القوة والأمر الواقع، فإن العقد قد سقط قانونياً وأخلاقياً. التمسك بإتفاقٍ مات إكلينيكياً بفعل خذلان رعاته، لا يعد حكمة سياسية، بل هو "انتحار ثوري".

إن الانسحاب من هذا العبث الأممي هو استعادة لزمام المبادرة، وإعلان مدوٍ بأن مسوغات السكون قد تبخرت، وأن المربع الثوري هو الملاذ الأوحد والشرعي.

كما يذكرنا المفكر جان بول سارتر:

"إن المستعمر لا يُفاوض، بل يُقتلع. وإن محاولة إيجاد صيغ وسطى مع قوة الغاصب ليست سوى اعتراف ضمني بضعف الإرادة الإنسانية أمام همجية الواقع."

- فضح "ترويض الجماهير".. محاكمة تجار اليأس

"أكبر جريمة ترتكبها النخب بحق شعوبها، هي محاولة إقناعها بأن العبودية المريحة أفضل بكثير من الحرية العاصفة."
— أنطونيو غرامشي

تعاني النظم السياسية المأزومة من مرض عضال يُعرف بـ "ترويض الجماهير". وهو سعي دؤوب من قِبل سماسرة الهزيمة وتجار اليأس لبث الخطاب الانهزامي، وتبرير التنازلات تحت يافطة "الواقعية السياسية" و"المكاسب التكتيكية".

هؤلاء السماسرة يدركون أن طاقة الصمود الجماهيري هي العقبة الكأداء أمام مشاريع تصفية القضية، ولذلك يعمدون إلى:

· بث الشكوك: في جدوى النضال وقدرة المشروع الوطني على الصمود.

· شيطنة الراديكالية: ووصف مواقف العزة والتمسك بالسيادة بالجنون العبثي.

· ترويج الأوهام: حول وعود دولية كاذبة بأن التنازل اليوم سيجلب الاعتراف غداً.

لكن التاريخ علّمنا أن الإمبراطوريات تتداعى، وأن الطغاة يزولون. إن حالة القلق المشروع التي يعيشها الإنسان الصحراوي اليوم يجب ألا تتحول إلى شلل، بل يجب أن تُستثمر كـ "وقود وجودي" لتصليب الجبهة الداخلية، ورفض كل محاولات التدجين الفكري.

- النداء الأخير.. وصية الولي وملاحم الأحرار

"إن الوطن ليس قطعة أرض نقف عليها، بل هو الفكرة الكبرى التي نعيش من أجلها ونستشهد في سبيلها.. لا وطن لمن لا يملك إرادة الدفاع عنه."
— الولي مصطفى السيد

أيها الأبناء الأطهار لشعبنا الأبي، في مخيمات  العزة والكرامة وفي جبهات الصمود الشامخة، وفي الأرض المحتلة حيث يواجه الأحرار سياط الجلاد بصدور عارية:
إن اللحظة التاريخية الراهنة لا تحتمل أنصاف الحلول، ولا تقبل الرماديين. إما أن نكون أحراراً نصنع مصيرنا بأيدينا، أو نقبل بأن نكون مجرد هامش في تاريخ الآخرين.

· إلى الطليعة السياسية: كونوا على مستوى دماء الشهداء. لا تبحثوا عن شرعية مستوردة من رضا الدوائر الاستعمارية، بل استمدوها من طاقة الجماهير المشتعلة. ارفضوا أنصاف الحلول والذل والمهانة، واعلنوها مدوية: "لا سيادة إلا سيادة الشعب الصحراوي المستقل على كامل ترابنا الوطني". إن التاريخ لن يرحم من يفرط في لحظة فارقة كهذه.
· إلى القواعد الجماهيرية والشباب: وحدوا صفوفكم، واهدموا أصنام اليأس، واعلموا أن الحرية تُنتزع ولا تُمنح. إن نضالكم اليوم هو امتداد لملحمية الأجداد، ولن تفلح كل مؤامرات العالم في كسر إرادة شعب قرر أن يكون أو لا يكون.

الحتمية التاريخية للثورة.. وخاتمة المشهد

يقول المثل الصحراوي: " تروام البكرة على بو" . إن "المسودة الأمريكية" ومحاولات تجميلها البائسة ليست سوى زوابع في فنجان النظام الدولي المتآكل. ستتكسر كل هذه المؤامرات على صخرة الوعي الصحراوي الصلب.

وكما أسرّ بها الولي مصطفى السيد يوماً بروح العارف الواثق:

"نحن قلة، لكننا نملك الحقيقة، والحقيقة أبدية بينما الباطل إلى زوال."

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نقف على حافة الاختيار الأبدي: إما السقوط في مستنقع "الوحل المذل" للتسويات المشبوهة، أو العودة المظفرة إلى شموخ المربع الثوري.
والإرادة الوجودية لشعبنا لا تعرف المستحيل: إما الاستقلال.. أو الشهادة.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...

الأكثر قراءة