الإعلام الجواري.. أين؟ و إلى أين!؟.
مع بداية الألفينات شهدت الساحة الإعلامية طفرة نوعية بميلاد الإذاعات الجهوية عبر ولايات الوطن، بحيث ساهمت بشكل كبير في التأسيس لإعلام جواري نابع من قلب الحدث، أثبت نجاعته من خلال قوة التفاعل و التلاقح ما بين الجمهور و البرامج الاذاعية المقدمة لفائدة الفئة المستفيدة من هذا الأثير الجهوي.
و لسنوات خلت، ظلت صباحات الخيم تستنير بتلك الدرر و الفوائد الادبية، الفنية، العلمية و السياسية التي تقدمها الإذاعات الجهوية عبر برامج إذاعية تفاعلية مباشرة و أخرى غير مباشرة ينشطها صحفيون و تقنيون وجدوا ضالتهم في ملكة الإبداع الصحفي صغل مواهبهم الاعلامية في شقيها الإذاعي و التقني.
و لكن بعد سنوات من العطاء المثمر، خفتت هذه الاصوات القريبة من نبض المواطن بفعل التقدم التكنولوجي و الرقمي المتسارع و الذي إستطاع أن يقبر صدى وسائل الاعلام الثقيلة الا من جيلها التقليدي، بينما إختار الجيل الجديد متابعة وسائل التواصل الإجتماعي التي أصبحت المتنفس الوحيد في ظل تقاعس المنافس الحقيقي العتيد عن إقناع جمهور اليوم بحجم و نوعية و جودة المادة الإعلامية المتلفزة و الصوتية و حتى المكتوبة.
و رغم ذلك ما تزال هذه الاذاعات الجهوية تبث عبر محطاتها جملة من البرامج و الانشطة الترفيهية بشكل يومي و لكن بلا جمهور كحوار طرشان، بينما إنزوى المتابع المحتمل بمتابعة ما تقدمه الهواتف الرقمية من مادة إعلامية دسمة يتم تحديثها بشكل آني عبر صفحات رقمية يساهم في تزويدها بالاحداث مجموعة من النشطاء و الفاعلون في مجال التواصل الإجتماعي.
و حتى لا نتهم بالتشاؤم، فقد إستطاعت بعض المحطات الاذاعية الجهوية رغم بساطة إمكانياتها و تواضع كوادرها البشرية أن تقدم مواد إذاعية و متلفزة ذات نوعية جيدة و قصاصات إخبارية للمواقع الرسمية كمساهمات قيمة لدعم الوسائط الاعلامية الثقيلة في ظل هجرة الكفاءات الصحفية التي ظلت لسنوات كثيرة تكدح في سبيل إيصال صوت و صورة الشعب الصحراوي إلى أبعد الحدود كوسيلة كفاحية قارعت العدو منذ الوهلة الأولى للثورة الصحراوية.
و بعد تجربة سنوات من البث الاذاعي الجواري، صار من الضروري جدا أن نقف وقفة تقييم حقيقي لهذا الصرع الاعلامي حتى لا نضيع المزيد من الوقت و الجهد في الفراغ الذي فرضه واقع اليوم.
و حتى نستثمر في تلك الامكانيات و الطاقة البشرية أحسن إستثمار أصبح من الواجب التفكير بعقلانية و تبصر في كيفية تكييف عمل هذه المحطات الاذاعية مع عمل ترسانتنا الاعلامية التقليدية كسند و داعم و محدث لخارطة البرامج الاذاعية و التلفزية و حتى على مستوى الاعلام المكتوب من خلال كوكبة من الصحفيين المقيمين بشكل دائم عبر كل ولايات الجمهورية عن طريق جعلها محطات إنتاج للبرامج و الاخبار الجوارية من جهة و مكاتب لتقريب و تسهيل العمل للصحفيين المنتسبين لمجمل الوسائط الاعلامية حتى نضمن لهم ربح الوقت و الراحة النفسية و توفير اعباء التنقل الى الشهيد الحافظ.
كا يمكن أن يمكننا هذا المركز الاعلامي من تأسيس مكتب دعم و متابعة و مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي التي فرضت نفسها كبديل واقعي في عصرنا الحالي لوسائل الاعلام الاخرى، و لن يتأتى ذلك الا بالاستثمار في الشباب من المدونين و Designers و Visioaudio Creators و تشجيعه ماديا و معنويا لرفع التحدي القائم حول فوضوية إنتشار وسائل التواصل الاجتماعي الغير مراقبة و الغير مقننة، بحيث سنجعل من الشباب المبدع مركزا للتحريض الاعلامي و منبعا لتصحيح المغالطات و مصدرا موثوقا للمعلومة الدقيقة و نشر المادة الاعلامية الرقمية و أخبار الشأن الوطني.
الفكرة أبسط مما نتصور، بحضور نية صادقة في الرفع من مردودية العمل الاعلامي و بتوفير إمكانيات و معدات نصف متقدمة حتى لا نقول حديثة و بوجود صحفيين و تقنيين لهم تجارب بالممارسة الاعلامية و خبرات أكاديمية و تقنية يمكن أن نحقق حلم إنشاء مراكز إعلامية للانتاج الاذاعي و التلفزي و حتى المكتوب عبر كل ولاية، مع أن وزارة الإعلام الصحراوية بدأت تشير الى معالم إستراتيجية متقدمة في رسم خطوات إيجابية في هذا الإتجاه عبر دعم بعض المحطات الجهوية بقسم السمعي البصري.
و مع توفر أجهزة ارسال الانترنت و سرعة تدفقها فقد صار العمل عن بعد أسهل بكثير للعديد من المؤسسات التي وفرت الكثير من التكاليف المادية و المعنوية من خلال تقريب أماكن العمل من الموظفين الذين أظهروا جودة و غزارة في الانتاج الفكري و المادي بعد كسر مناخ و ظروف العمل الروتيني خاصة تلك الوظائف التي تحتاج تنقلا دائما.
بقلم: محمد مغاديلو