الفيلق الرابع: الجزء الرابع / معركة تشلة


الفيلق الرابع / الجزء الرابع / معركة تشلة 
الكاتب والاعلامي : حمدي ميارة
كان صيف سنة 1987 ساخن جدا وموجات الحر الخانق قد بدأت , وكان الفيلق الرابع يستريح بعد سلسلة المعارك التي خاضها في العائديات ولحريشة وأذويهب خلال الأشهر الأولى من السنة ,وبدون شك كنا نتوقع إستئناف المعارك من جديد لكن أحدا لم يتوقع أبدا ما حدث. 
في عز ذلك الصيف القائظ وبدل أن يبحث الرجال عن الظل ويركنوا إلى الراحة في تلك الأيام الحارة التي كانت طلائعها تنبئ بصيف ملتهب ,كانت القيادة العسكرية تحضر لخطوات ستجعل ذلك الصيف إستثنائيا بكل المقاييس. 
في إجتماع لهيئة الأركان برئاسة الشهيد محمد عبد العزيز وبعد تدارس كل جوانب الوضع العسكري, تم الاتفاق على ضرورة تحضير تشكيلة ميكانيكية تتولى مهمة القتال في الجنوب الذي كان الغزاة فيه في وضع أكثر راحة, إضافة إلى أهمية تحقيق نوع من التوازن في الجهد القتالي بين الشمال والجنوب. 
ورغم خطورة هذه الفكرة التي كانت تفترض إرسال مدرعات BMP1 لتقاتل بعيدا جدا عن قواعدها الخلفية وفي مناطق مكشوفة بشكل كبير ينعدم فيها الغطاء النباتي ويغلب عليها الفضاء المفتوح,رغم كل هذه المحاذير بدت هذه الفكرة في ذلك الصيف مغرية في أذهان تلك المجموعة التي لا تؤمن بالمستحيل. 

كان واضح جدا أن هذه المهمة ستكون صعبة للغاية ولكنها على كل حال لن تكون أصعب من إجتياز آلاف الأميال نحو باسكنو. 
ومع نهاية شهر يونيو سنة 1987 بدأ التحضير الفعلي لخوض هذه المغامرة التي كان تنفيذها يتطلب بعض الجهد وكثيرا من الجرأة. 
وعلى هذ الأساس تم إختيار وحدات من الفيلقين المدرعين الأول والرابع التابعين للناحية الثانية وتم التركيز خلال عملية التحضير,التي لم تدم طويلا على الناقلات التي تسمح حالتها الفنية بالمسير الطويل,إضافة إلى الفيلق الثاني والسرية الخامسة من الدفاع الجوي ووحدات من المدفعية التابعة للناحية السادسة ج. 
كان محمد الامين ولد البوهالي يقود هذه الدورية بوصفه قائدا للناحية العسكرية الثانية فيما تولى ابراهيم ولد الليلي قيادة الفيلق الرابع. 
وبعد أيام كانت تلك الدورية التي يتبع أغلبها للناحية الثانية جاهزة لخوض غمار تجربة جديدة وفي عز الصيف. 
مساء يوم 29 يونيو سنة 1987, بدا المسير نحو المجهول وكان دليل الدورية (آمنير) أيدة ولد أمديلش يقود الجميع عبر صحراء قاحلة لا معالم فيها ,وبدا غريبا كيف يستطيع ذلك الشيخ الوقور تبين طريقه وسط تلك الأرض المتشابهة والتي تمتد مئات الكيلومترات. 
لقد كان صيف ذلك العام ملتهب جدا وفي أغلب الحالات أثناء المسير يجلس الشباب جماعات على ظهور الناقلات تحت لهيب الشمس مباشرة, وبطبيعة الحال كان سطح ناقلات BMP المدرع ساخن جدا ودخان عوادمها يلفح الوجوه . 
وخلال عدة أيام إجتازت تلك الدورية أراض شاسعة جدا لا أثر للحياة فيها, ورغم أنها مناسبة جدا لسير الآليات الثقيلة إلا أنها لم تكن مناسبة لأي شيء آخر, وببساطة كانت تلك الأرض تشبه البساط المحترق لا شجر فيها ولا حجر. 
وسأتجاوز عن وصف تفاصيل رحلتنا عبر تلك الأرض الموحشة لإعتبارات أراها وجيهة . 
توغلت الدورية في هذه المنطقة القاحلة التي زادها الصيف جفافا لمدة خمسة أيام دون أن يعلم الشباب وجهتهم وفي صباح اليوم الخامس علمنا أن الدورية تتجه نحو منطقة تيرس. 
زوال الخامس يوليوز1987 وصلت الدورية إلى منطقة أظليعة ماكاين باس وفي اليوم الموالي توجه الفيلق مباشرة نحو جبل آدمار. 
ولأن تواجد المدرعات في هذه المنطقة المكشوفة والبعيدة جدا كان محفوف بالمخاطر قررت القيادة العسكرية خوض المعركة الأولى بشكل سريع للإستفادة من عامل المفاجأة. 
كانت تيرس في صيف ذلك العام قاحلة جدا وموحشة إلى أبعد الحدود , ورغم أن بعضا من عناصر الفيلق الرابع من مواليد هذه الأرض ,إلا أنهم كانوا جميعا قد غادروها أطفالا بسبب العدوان ,ومع ذلك كانت ترتسم في أذهان الجميع عن هذه الأرض صورة مغايرة كليا عن ما وجدناه في تلك الأيام. 
تحتفظ الذاكرة الشعبية الصحراوية بصور رائعة عن منطقة تيرس التي كثيرا ما كانت تعني تلك الأرض الخضراء الجميلة التي تتشح جبالها بالسواد والتي ظلت عبر قرون مادة للشعراء وميادين للفرسان, وبين سفوح جبالها الشهيرة وعلى رمالها الذهبية كتب الصحراويون فصولا من تاريخهم المجيد في مواجهة الاستعمار الفرنسي بداية القرن الماضي. 
كانت الناقلات تطوي بنا تلك الفيافي الجرداء بإتجاه جبل آدمار ومظاهر الجفاف بادية في كل شيء وعلى مد البصر لن تقع عيناك على أي نبات أخضر. 
ترى أين كل ذلك الجمال الذي خلده الشعراء وتغنى به الركبان وهل هذه هي نفس الأرض التي قال فيها محمد ولد الطلبة: 
تطاوَلَ ليلُ النازحِ المُتَهَيِّجِ أما لضياءِ الصبحِ من مُتَبَلَّجِ 
ولا لظَلامِ الليلِ من مُتَزحزَحٍ وليسَ لنجمٍ من ذهابٍ ولا مجي 
وذُكرةِ أظعانٍ تربَّعنَ باللوى لوى الموجِ فالخَبتَينِ من نعفِ دوكجِ 
إلى البِئرِ فالحواءِ فالفُجّ فالصوى صوى تشلَه فلأجوادِ فالسَفحِ من إج 
تَحُلُّ بأكنافِ الزفالِ فتيرسٍ إلى زيزَه فالأرويتينِ فالاعوجِ. 
ورغم كل هذا التاريخ الحافل والذاكرة الحبلى بالصور الجميلة كانت تيرس صيف ذلك العام تبدو كقطعة من جهنم , فدرجات الحرارة عالية بشكل مفرط حتى تخال أن الشمس تشرق فوق رأسك تماما , ولا أثر إطلاقا لأي نوع من الحياة ومظاهر الجفاف بادية للعيان ومصادر المياه تكاد تكون معدومة. 
ومع ذلك كانت تلك الدورية بالنسبة لنا تجربة فريدة تستحقها تلك الأرض الطاهرة التي تبدو حزينة والتي طالما كانت عصية على الغزاة, وعندما نعود الى تلك المنطقة في خريف ذلك العام ستكون تيرس في أبهى حللها ,وعندها فقط تبينت أسباب شهرة تلك الأرض العظيمة. 
ومع حلول مساء 06 يوليوز 1987 كان قد تم اختيار نقطة المعركة في قطاع أعظيم أم أجلود لكن طائرات الاستطلاع المغربية (الكيشافة) كانت قد تمكنت من كشفت الدورية فتم إلغاء هذه المعركة والتوجه جنوبا عبر مدن أنعام. 
وفي صباح يوم 07يوليوز 1987 واصلت الدورية تنقلها جنوبا عبر واد آتْوي وظل الطيران المغربي يقصف تلك المناطق ومع حلول مساء نفس اليوم تمكنت الدورية من الوصول الى مشارف أكليب أدْنَادِينْ. 
كانت الناحية الأولى ترابط في تلك المنطقة بشكل دائم ,وطبعا هذه هي المرة الأولى التي سيقاتل فيها الفيلق الرابع مع هذه الناحية ذات التاريخ العريق ,والتي كانت تقاتل في الشمال منذ بداية الغزو المغربي نهاية سنة 1975. 
وغير بعيد بإتجاه الشمال ترابط أيضا الناحية الثالثة التي تعرف تلك الأرض جيدا وقد جابت أغوارها منذ كانت تحمل اسم الجنوب. 
وخلال مساء ذلك اليوم اجتمعت قيادة المعركة بحضور الشهيد محمد عبد العزيز, الذي كان يشارك معنا في أغلب المعارك ,إضافة إلى قادة النواحي المشاركة وعدد من الإطارات وتقرر تنفيذ الخطة التالية: 
تم إختيار قطاع تشلة وتحديد نقطة من الحزام المغربي تقع بين أكليب لحبالية وأكليب طيرلال. 
- تتولى الكتيبتان الأولى والثانية من الفيلق الرابع الدخول من الميمنة (الخالفة العربية ). 
- تتولى كتائب المدرعات التابعة للفيلق الأول وبعض كتائب الناحية الأولى الدخول من الميسرة (الخالفة العسرية). 
- تتولى الناحية الأولى وبعض كتائب الفيلق الثاني التابع للناحية الثانية والكتيبة الثالثة من الفيلق الرابع والسرية الخامسة من الناحية الثانية الدخول من القلب (المحرد) والإنتشار في عمق جبهة المعركة. 
- وستتولى المدفعية التابعة للناحية السادسة ج مهمة قصف القواعد المحاذية للمعركة والرد على مدفعية العدو. 
- وطبعا ستتكفل وحدات الدفاع الجوي التي ترافق الدورية بحماية أجواء المعركة. 
ومن أجل تشتيت إنتباه العدو عن الموقع المستهدف صدرت الأوامر بإن تتولى الناحية الثالثة أمر القيام بالمناورة أمام قطاع أعظيم أم أجلود شمالا لإيهام العدو أن الهجوم يستهدف ذلك القطاع الذي كانت ترابط خلفه الراجمة المغربية الثالثة. 
وفي نهاية ذلك الإجتماع تم تحديد نقطة الانطلاق من قرب أكليب دَوَلْ على ضفة واد آتْوِي. 
و تحديد الساعة الخامسة فجرا كموعد لبداية المعركة. 
قبل صلاة المغرب بقليل تم إنزال مشاة الفيلق الرابع - و كنت من بينهم - على مسافة قصيرة من الحزام ,وخلف كثيب رملي كان مشاة الناحية الأولى ينتظرون, وهناك إلتقينا ببعض الشباب الذين جمعتنا بهم مقاعد الدراسة.
كان لقاؤنا بتلك المجموعة ذو طابع خاص فقد كنا نلتقي بأصدقاء من أيام الطفولة لم نلتقي بهم منذ سنوات,وخلف ذلك الكثيب الرملي أمضينا ساعات نستعرض بعضا من ذكرياتنا. 
وعندما توارى القمر خلف الأفق بدأ المسير نحو ذلك الفاصل الذي تم إختياره كنقطة للعبور. 
كانت عملية المسير سلسلة بعض الشيء رغم العطش البالغ بسبب درجات الحرارة المرتفعة ليلة 08 يوليوز 1987,وبدت مظاهر الإرهاق واضحة على تلك المجموعة التي لم تذق طعم الراحة منذ مغادرتها لجبل آدمار, وإلى حد تلك اللحظة كانت قد مرت 48 ساعة دون أن يتمكن الشباب حتى من تناول الشاي, ومع ذلك كان عليهم أن يصلوا إلى ذلك الفاصل ليتمكنوا من تحضير ثغرة العبور قبل ساعة الصفر. 
ووسط الظلام الدامس كان عشرات المقاتلين يقتربون بحذر شديد وبهدوء بالغ,تماما كالهدوء الذي يسبق العاصفة ,ورغم شدة العطش ولفحات الهواء الساخن (إريفي) الذي يأتي غالبا في تلك الأرض مصحوبا بالأتربة,كان الجميع متماسكون ويدركون جيدا أن الرفاق يعتمدون عليهم وأن نجاح المعركة مرتبط فتح ثغرة العبور وتأمينها حتى يصل المهاجمون. 
في حدود الساعة الثالثة فجرا وصلت المجموعة المتعبة وبدأت مباشرة عملية فتح الثغرة في الحزام ,ومع مرور الوقت أحست إحدى القواعد المغربية ببعض الأصوات المريبة الناتجة عن عملية الحفر وبشكل آلي أطلقت وابلا من الرصاص في إتجاه تلك الأصوات ,ومع ذلك واصلت تلك المجموعة عملها وإنتظرت الوقت المحدد للمعركة. 
بعد مرور ساعتين تقريبا وفي حدود الساعة الخامسة فجرا في تلك الليلة المظلمة التي كانت تبدو هادئة إلى ذلك الحين وبدون سابق إنذار دندن صوت الرعد شرقا , رغم غياب علامات المطر في ذلك الصيف القائظ ,ولم يدرك الجنود المغاربة في ذلك القطاع البعيد ماهية هذا الصوت الصاخب , فهم إلى حد تلك اللحظة لم يختبروا القتال ضد ناقلات BMP1 الصحراوية ,وعلى كل حال سيكون المطر الوحيد يومها هو الرصاص. 

كان الهجوم قد بدأ وكنت ترى تلك العربات السريعة وكأنها تحلق نحو الغرب, ووسط الظلام عبرت طلائع المهاجمين بشكل سريع ومنظم, ثم إقتحم المشاة تلك القاعدة التي لم تعد تعرف من أين يأتيها الخطر,وبعد ساعة فقط تمكنت الكتيبة الأولى من السيطرة تماما على القاعدة. 
وفي نفس الوقت تقريبا كانت الكتيبة الثانية تجتاح نقطة الإسناد التي سقطت سريعا تحت ضغط الهجوم الكاسح وكثافة النيران . 
ومع بزوغ شمس ذلك اليوم الساخن كانت كتائب المدرعات تطوق تلك القواعد التي تحولت سريعا إلى أنقاض, وسقط الجنود الذين كانوا يتحصنون فيها بين قتيل وأسير,وكنت ترى ناقلات BMP تقاتل والأسرى موثقون بالحبال على ظهورها. 
كانت كتائب الفيلق الثاني الشهير تنتشر في عمق المعركة خلفنا تماما تحسبا لقدوم نجدات العدو, فيما إنتشرت الناحية الأولى خلف كتائب الفيلق الأول,وكنا نقاتل يومها ونحن ندرك أن الأعماق آمنة بسبب وجود ذلك الفيلق الذي لا يمكن تجاوزه. 
ومع مرور الوقت تبين أن الناحية الأولى التي كنا نقاتل معها لأول مرة جديرة فعلا بسمعتها,لقد كانت هذه الناحية العريقة تقاتل بثبات كبير, وتتمتع بقدرة فائقة على تحمل ضغط المعركة,كانوا يطلقون النيران بكثافة ثم يتقدمون وعندما يحتلون موقعا سيكون من الصعب جدا إخراجهم منه. 
وقبل نهاية المعركة بوقت وجيز حدث موقف من تلك المواقف التي تظهر فيها معادن الرجال في زمن الحروب , كان طوالو ولد العالم التابع للكتيبة الثانية من الفيلق الرابع يقف على قمة الجدار المغربي, وفجأة أصيب وسقط شهيدا داخل محيط القاعدة ولم يكن ممكنا تركه هناك, وطبعا كان من غير المقبول إطلاقا ترك جثمان شهيد في ميدان المعركة. 
كان هناك جنود غزاة يختفون داخل مربع إسمنتي صغير ولم تتمكن الكتيبة من تحديد مكانهم وسط تلك القاعدة التي تشبه المتاهة , ثم بدؤوا يطلقون النار من ثقوب صغيرة في الجدار, ورغم ذلك كان الجميع يدرك أنه لابد من سحب ذلك الشهيد مها كان الثمن, كانت المجموعة التي تتابع هذا الموقف في حدود ثمانية أفراد أغلبهم من نفس فصيلة الشهيد, تبادلوا كلمات قليلة ثم حسموا أمرهم وعلى الفور تقدم سيد أحمد ولد براي وسقط شهيدا ثم تبعه علالي ولد بوشيبة وإلتحق برفيقيه ,وبعد أن أصبحوا ثلاثة شهداء داخل مربع القاعدة المغربية بات الأمر أكثر تعقيدا, كان الرجال يدركون جيدا أنه من غير الممكن أبدا أن تنسحب تلك الكتيبة المشهورة بصلابتها دون أن تأخذ شهداءها. 
حزم الرجال أمرهم ثم تتابعوا نحو الشهادة في مشهد مهيب يفيض بالشجاعة والنخوة وتقدير تضحيات الرفاق ,وبشكل آلي تقدم سعيد ولد محمد الأمين وأصيب أيضا وإلتحق برفاقه ثم تقدم اللود ولد ددي قائد الجماعة وسقط شهيدا ثم تبعه الشيخ ولد الطنجي وهو أصغر المجموعة سنا ونال الشهادة ثم جاء دور سائق ناقلتهم وداد ولد عمار ولد أجعيدر فأصيب أيضا ولحق برفاقه. 
وفي هذه اللحظات الحرجة تمكن رفاقهم من تحديد المكان الذي يتخندق فيه الجنود المغاربة وعلى الفور صبوا جام غضبهم وكل قوتهم النارية على ذلك المربع اللعين فتحول بمن فيه في دقائق إلى ركام, وقبل نهاية المعركة كانت تلك القاعدة بكاملها قد سويت بالأرض تماما وتمكنت الكتيبة الثانية من إخراج شهدائها. 
وفي هذا الوقت بالذات كان الفيلق الأول قد تمكن بشكل كامل من السيطرة على القواعد الجنوبية, فيما إجتاحت الناحية الأولى المدعمة بالكتيبة الثالثة من الفيلق الرابع والفيلق الثاني والسرية الخامسة من الناحية الثانية أعماق تلك المعركة وتمت مطاردة النجدات التي حاولت دعم القواعد ووصل الاجتياح حتى حدود أكليب طيرلال. 
وفي حدود الساعة السابعة صباحا حسمت المعركة و يبدو أن سرعة الاقتحام وقوة الكثافة النارية , قد أذهلتا قوات العدو وكان الحل الوحيد أمامهم كالعادة هو الفرار ناحية الغرب ,وهناك كان الفيلق الثاني والناحية الأولى في إنتظارهم. 
كانت السرية الخامسة من الدفاع الجوي التابعة للناحية الثانية والتي يقودها أحمد ولد الداف , تمتلك رصيدا زاخرا يستحق الاحترام ورغم أنها قاتلت معنا منذ البداية كسرية تابعة للفيلق الثالث دبابات, إلا أنها هذه المرة كانت تقاتل إلى جانبنا مباشرة ككتيبة مكلفة بحماية الفيلق الرابع وستستمر هذه العلاقة بعد ذلك حتى نهاية الحرب, ومع مرور الوقت أصبحت جزءا رئيسيا من الفيلق الرابع, وكانت في الواقع كتيبة متميزة بكل المقاييس وضمت رجالا كنا فخورين بالقتال إلى جانبهم. 
بعد نهاية المعركة توجه الفيلق الرابع نحو جبال زوگ وآمزگزاگ, وعلى طول ذلك اليوم ظل الطيران المغربي يصب قذائف حقده على ذلك الجبل دون أية نتيجة ,وكان الطيارون المغاربة يحلقون على إرتفاعات شاهقة بسبب خوفهم من المضادات الأرضية ,وبطبيعة الحال كانت قذائفهم تضل طريقها وسقط أغلبها على جبل آمزگزاگ ,وطبعا لم يكترث ذلك الجبل الأشم بكل تلك القذائف. 
وفي زوال ذلك اليوم وبعد صلاة الظهر بقليل ,أعلنت اذاعة لندن BBC ضمن عالم الظهيرة الأنباء الأولية الواردة عن هذه المعركة الجريئة, وقد أشارت يومها إلى أن ثوار جبهة البوليساريو هاجموا وإحتلوا مواقع دفاعية مغربية في الصحراء الغربية قرب تشلة وألحقوا خسائر فادحة بالجيش المغربي وتمكنوا من أسر عشرات الجنود. 
ثم ختمت إذاعة لندن تقريرها متسائلة: إلى متى ستبقى الحكومة المغربية تلتزم الصمت حيال ما يحدث من معارك ضارية في الصحراء الغربية.
وقبل عصر ذلك اليوم وفي جو مهيب تم دفن شهداء الكتيبة الثانية عند سفح جبل آمزگزاگ ,ورغم حزن الرفاق كنت ترى علامات الإحترام بادية على وجوه الجميع تقديرا لهؤلاء الشباب الشجعان الذين عاشوا معا وقاتلوا في خندق واحد وأستشهدوا في نفس المكان,وسيبقون دائما في تلك الأرض الطاهرة يحرسهم ذلك الجبل الشامخ. 
و بعيدا عن تلك النقطة الطاهرة وفي نهاية السفح الغربي بين جبلي زوگ وآمزگزاگ , وعند جذع شجرة من إگنين يرقد هناك عشرات الجنود الغزاة الذين ماتوا في ذلك اليوم متأثرين بجراح أصيبوا بها خلال المعركة. 
وبعد صلاة المغرب مباشرة توجه الفيلق نحو جبال الدوگج وكان علينا قطع منطقة أعظم لحمار الجرداء خلال تلك الليلة . 
وفي اليوم الموالي توجه الفيلق نحو منطقة أگلاب أزعافيگ القريبة نسبيا,وكان التعب والسهر قد نالا من الجميع,وبعد صلاة المغرب إلتفت مجموعة من الكتيبة الأولى حول أواني الشاي قرب صخرة سوداء كبيرة من صخور تيرس ,وكالعادة جلب قائد الجماعة جهاز الراديو وبعد لحظات كانت الإذاعة الوطنية تبث الموسيقى العسكرية ثم قرأ المذيع البلاغ التالي: 
شن مقاتلوا جيش التحرير الشعبي الصحراوي هجوما عنيفا على جبهة طولها 40 كلم في حزام العدو الدفاعي بقطاع تشلة المحتلة. 
وقد دام الهجوم من الساعة الخامسة فجرا حتى العاشرة من صباح يوم 08 يوليوز1987. 
وقد تمت السيطرة على كامل دفاعات العدو وتخندقاته منذ الوهلة الأولى ,و توغل أبطال جيش التحرير الشعبي الصحراوي البواسل داخل أعماق العدو أكثر من 10 كلمترات. 
وفي محاولة يائسة لتخفيف الضغط القوي على فلول جنده المتراجعة زج العدو بخمس نجدات تباعا صدت كلها على أعقابها متلقية أفدح الخسائر في أفرادها ومعداتها. 
وخلال هذه العملية تم: 
قتل 275 جنديا وضابطا من بينهم الملازم الأول عزوزي قائد تشكيلة من المجموعة السابعة للدبابات والملازم مشيطني قائد كتيبة من الفوج 44, وتم جرح 310 جنود آخرين. 
- إحتلال وتدمير كل ما في الجبهة المهاجمة من قواعد ومواقع بما فيها مقر قيادة الفو
44,وتم حرق معدات العدو التالية: 
-10 دبابات SK 105 ملم. 
-04 ناقلات جنود 113 ملم. 
-25 سيارة LANDROVER. 
-17 سيارة TOYOTA. 
-06 شاحنات GMC. 
كما تم تحطيم: 
-21 رشاش 14.5 ملم. 
-04 رشاشات 23 ملم. 
-رادار من نوع RATAC. 
-05 مدافع 106 ملم. 
-20رشاش 12,7 ملم. 
-08 مدافع SBG9. 
-50 سلاح م.د. 
-حوالي 200 سلاحا فرديا وجماعيا خفيفا. 
-حرق 8 مخازن للذخيرة. 
- حرق 06 مخازن للملابس والمؤن. 
- حرق 06 خزانات للمياه. 
واستولى مقاتلونا على معدات العدو التالية: 
-02 دبابة SK 105ملم. 
-03سيارات LANDROVER. 
-03 هاونات 81 ملم. 
-02 رشاش 14,5 ملم. 
-07 رشاشات 12,7 ملم. 
-03مدافع 75 ملم. 
-01 مدفع SBG9. 
-19 صاروخا من نوع DRAGON. 
-01 قطعة RBK. 
-01 قطعة فال. 
-01 -30 امريكان. 
-05 سلاح ماك. 
-08أجهزة للارسال والاستقبال. 
-01 هاتف ميدان. 
-62 سلاح اكلاشينكوف. 
-12 سلاح فال. 
-01 مسدس. 
-06 إدارات. 
- غنم كميات كبيرة من المؤن والذخيرة والملابس. 
- وتم خلال هذه الملحمة أسر 73 أسيرا مابين جندي وضابط وضابط صف.من بينهم الملازم بوكنيوط احمد قائد مجموعة التدخل السريع رقم 7 من اللواء 12 ,ومجموعة من الرقباء. 
وبعد نهاية البلاغ مباشرة إنفرجت أسارير تلك الوجوه السمر التي هدها التعب وهم يتابعون تلك النتائج الكبيرة التي تم تحقيقها في معركة تشلة التاريخية. 
وفي صباح اليوم التالي وقبل أن يجد الرجال وقتا للراحة وصل خبر جديد.(لقد ذهبت الدراسة..) 
وطبعا كان هذا الخبر يعني أن هجوما آخر سينفذ بعد أيام قليلة. 
وبعد أربعة أيام فقط وبالضبط في يوم 13 يوليوز1987 تمكنت وسائل الاعلام الدولية من زيارة معرض ضخم نظمته وزارة الدفاع بمدرسة الشهيد الولي العسكرية, ووقف عشرات الصحفيين على الغنائم والوثائق التي إستولى عليها جيش التحرير الشعبي الصحراوي إضافة إلى معاينة الأسرى ال73 الذين تم إلقاء القبض عليهم في هذه المعركة. 
وفي نفس هذا اليوم أيضا و في عز ذلك الصيف القائظ كانت حفرة إشياف على موعد مع طيحة الفجر. 
يتبع....معركة أم أدريگة.

ليست هناك تعليقات:

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *