الفيلق الرابع الجزء السادس : معركة حفرة إشياف الثانية


مع دخول شتاء سنة 1988 كان الفيلق الرابع يتمركز حول جبال لگطيطيرة السوداء, وفي عز ذلك الشتاء القارس بدأت تلك الأرض الرائعة تفقد بعضا من خضرتها بسبب موجات البرد الشديد وقساوة تلك الأرض التي تستوطنها الرياح بشكل دائم,ومع ذلك كانت تيرس لاتزال ترتدي وشاحها الأخضر.

كانت جبال تيرس الشماء المتناثرة تنتصب بعنفوان عجيب وتحيط بها مناظر النبات الأخضر من كل الاتجاهات,ووسط هذه الأرض الرائعة كانت أحداث الماضي تكاد تلامس خيالنا ونحن نجوب تلك الأرض التي كانت ذات يوم ميادين للجهاد والمقاومة,ورغم عاتيات الزمن لاتزال تلك الجبال السود تقف شامخة دون أن تبالي بتعاقب الأيام.
وعبر التاريخ كانت صور الماضي تتزاحم متسارعة في أذهاننا ومعها كنا نستحضر أياما مجيدة كانت فيها الجدات تحكين لنا ونحن أطفالا تفاصيل بطولات أحمد ولد حمادي وإسماعيل ولد الباردي وإبراهيم السالم ولد ميشان وغيرهم من رموز المقاومة ,الذين أذلوا جحافل فرنسا في توجنين وأم التونسي ولبيرات, ومن بعيد كانت تبدو مشاهد جبال آغوينيت و لروي بوگرن وسل آوريج و المدادة كتمائم سوداء تحرس هذه الأرض التي كانت دائما ترفض الاحتلال وتجعلك رؤيتها صباحا تكاد تسمع صهيل الخيل يوم المعركة .
كانت هذه الأرض في الماضي عامرة بأهلها ومشاهد الفرݣان تحيط بهذه الجبال الجميلة وقطعان الإبل تملأ هذا الفضاء الرحب قبل أن يغدر الجيران بهذه الأرض وأهلها ويشعلوا فيها فتيل الحرب.
ومن مناظر تيرس الجميلة التي يسودها السلام تحولت هذه الارض إلى قفار جرداء ينعق فيها البوم ويعلو فيها أزيز الرصاص بشكل دائم.
كانت الحرب قد غيرت وجه تيرس تماما ولم يعد لمشاهدها الشهيرة أي أثر,ومع ذلك ظلت تلك الأرض الطيبة تحاول على خجل لملمة ببعض مظهرها الأخضر رغم قساوة الشتاء وكثرت الزوابع الرملية (السافي) ,كانت تيرس في تلك الأيام البعيدة تبدو كمن يحاول الترحيب بالقادمين الجدد رغم التجاعيد التي رسمتها الأيام على جبينها الطاهر.
وخلال تلك الأيام كان الجدار السادس لايزال في عين الاعصار و لم تتوقف عمليات الاستطلاع والإغارات الليلية التي كانت ترهق حامياته العسكرية وتنسف ما تبقى من معنوياتها الهشة.
وبلغت تلك العمليات أوجها حين عصفت وحدة خاصة تابعة للناحية الثالثة بأسطورة الجدار الدفاعي بشكل كامل ,و تمكنت من تنفيذ عملية جريئة خلف الجدار بعشرات الكيلمترات وتسببت هذه العملية في تلاشي بقايا معنويات الجنود المغاربة الذين أصبحوا يدركون تماما أن الجدار الدفاعي لايستطيع حمايتهم.
كانت هذه العملية ذات طابع خاص جدا وجرى التحضير لها بشكل دقيق وتمت إحاطتها بأقصى درجات السرية.
وخلال أيام عديدة كانت مجموعة الاستطلاع تبحث عن المكان المناسب لاختراق الجدار بصمت,ورغم صعوبة التضاريس كانوا يتفحصون كل شيء فلا مجال إطلاقا لإرتكاب الأخطاء.
وفي ليلة الثامن يناير 1988 وتحت جنح الظلام تسللت نخبة من مقاتلي الناحية الثالثة نحو الحزام,بعد أن وقع الاختيار على نقطة في منطقة إشرگان الوعرة التابعة لقطاع الگلتة
كانت المعلومات التي قدمها الاستطلاع تشير إلى وجود حركة غير عادية خلف الجدار الدفاعي ,وبعد دراسة كل المعطيات المتوفرة تقرر تنفيذ العملية.
مع بداية الليل بدأت تلك المجموعة مسيرها نحو الحزام ومع وصولهم إلى الفاصل المستهدف أصبح الأمر أكثر جدية,كان عليهم أن يخترقوا الجدار الدفاعي و يقطعوا مسافة طويلة جدا نحو ذلك الهدف الغامض ,وطبعا كانوا يتوقعون القتال ثم عليهم أن يؤمنوا طريق العودة والخروج من الحزام المغربي قبل الفجر.
كانت هذه المهمة تبدو مستحيلة تلك الليلة ومحفوفة بالمخاطر الى حد كبير ومع ذلك كان إصرار الرجال على تنفيذها يتجاوز كل المحاذير.
بعد تجاوز الحزام مباشرة بدأ الرجال مسيرهم بشكل حذر ورغم الظلام الدامس والبرد الشديد ليلة الثامن يناير1988 تقدم الرجال بهدوء بالغ وكان عليهم أن يتبينوا طريقهم وسط منطقة يجهلونها ودون إثارة أي ضجيج,ومع مرور الوقت بدأ العطش ينال من الرجال رغم برودة الطقس بسبب طول المسافة التي لم يكن ممكنا تقديرها ليلا.
بعد منتصف الليل بقليل تجاوزت المجموعة كل دفاعات العدو وأصبحت الآن داخل أعماق الحزام ,ثم بدأت بعض الأضواء الخافتة تظهر أمامهم دون أن يعلموا ماهيتها.
ومع مرور الوقت بدأ الاحساس بالخطر يزداد تدريجيا وهم يدركون أنهم خلف خطوط العدو,وفي الهزيع الأخير من الليل وجدت المجموعة نفسها مباشرة أمام مجموعة من الخيم التي كانت تبدو هادئة وسط سكون الليل,وبعد التأكد من هويات ساكنيها قررت المجموعة تحرير ذلك المخيم وإخراجه من الجدار الدفاعي.
كانت هذه المهمة صعبة جدا إذ كيف يمكن إخراج كل هؤلاء المدنيين بأمتعتهم و إبلهم ومرافقتهم كل هذه المسافة الطويلة في طريق العودة دون أن ينتبه الجدار المغربي.
حسم الرجال أمرهم وبدؤوا في تنفيذ خطة الرجوع,ستة عشر مدنيا من بينهم أربعة نساء وستة أطفال ومعهم مواشيهم بكامل أمتعتها إجتازوا الحزام المغربي في الهزيع الأخير من الليل بإتجاه الشرق في منطقة إشرݣان ليلة الثامن يناير1988 دون أن يتم إطلاق رصاصة واحدة.
في مساء اليوم الموالي كانت الاذاعة الوطنية تبث برامجها المسائية وفجأة إرتفع صوت الموسيقى العسكرية المميز والتي كانت تعني دائما أن نصرا جديدا قد تحقق,ومباشرة قرأ المذيع الخبر التالي:
أعلنت وزارة الدفاع الوطني صباح اليوم أن مقاتلي جيش التحرير الشعبي الصحراوي قد تمكنوا فجر الثامن يناير الجاري من التوغل مسافة 30كلمترا خلف الحزام الدفاعي المغربي,وتمكنوا من تحرير عائلات صحراوية من قبضة الاحتلال المغربي,وقد إجتازت العائلات المذكورة الجدار الدفاعي وعددهم 16 فردا من بينهم أربعة نساء وستة أطفال ومعهم مواشيهم بكامل أمتعتها بكل سهولة ويسر بفضل السيطرة التامة والتحكم الفعلي في الميدان, وقد تمكن المقاتلون الصحراويون من توفير الحماية الكاملة لهؤلاء المواطنين الذين تم إنقاذهم من وراء دفاعات العدو ونقلهم إلى المناطق المحررة.
كانت أهمية هذه العملية تكمن في كونها تحدت تماما كل الدعايات المغربية التي تفترض أن الجدار الدفاعي المغربي يوفر الحماية للجنود المغاربة, ومع بزوغ شمس التاسع يناير تبخرت كل تلك الدعايات الهشة ومعها نفخت زوابع تيرس في معنويات الجنود المغاربة وأرسلتها أدراج الرياح,وبعد أيام قليلة كانت مدرسة 27 فبراير الوطنية تقيم حفلا بهيجا لإستقبال المواطنين الذين تم تحريرهم من قطاع إشرݣان.
كان تأثير هذه العملية الجريئة قد أصاب القيادة العسكرية المغربية في الصميم,وفي سبيل الحفاظ على النزر القليل المتبقي من معنويات جنودهم المتدنية إتخذوا قرارا عاجلا يقضي بخروج الراجمتين المغربيتين الثالثة والسادسة من الحزام المغربي في محاولة لإيهام جنودهم أنهم يطاردون الجيش الصحراوي.
وفعلا خرجت الراجمتان من طارف عبدة وأصطيلة ولد بوݣرين في مشهد أشبه بالاستعراض العسكري,كانت الراجمة الثالثة الشهيرة والتي تعتبر إيقونة الجيش المغربي في الأمام ثم تبعتها الراجمة السادسة.
ومباشرة بعد خروج الراجمات المغربية شرق الحزام تحرك فيلق البحرية نحو أݣلاب الحولية فيما بقيت الناحية الثالثة تراقبهم من بعيد وتنتظر الأوامر.
كانت القيادة العسكرية الصحراوية تراقب التطورات بشكل دقيق وطبعا كانوا يدركون أن الجيش المغربي يبحث عن أسباب تعيد بعضا من معنويات جنوده التي تراجعت كثيرا بعد عملية إشرݣان,وفيما يبدو كان صراع القيادتين العسكريتين الصحراوية والمغربية قد بدأ يشتد ويأخذ أبعادا جديدة.
ومع حلول مساء ذلك اليوم صدرت الأوامر بعدم التعرض للجيش المغربي ومراقبته بشكل لصيق ودائم وإنتظار التعليمات التي كانت تتغير بشكل متسارع.
بقيت الراجمتان المغربيتان خارج الحزام أياما قليلة وفجأة عادتا إلى قطاع حفرة إشياف ورجعتا الى مواقعهما خلف الحزام دون أن تحققا شيئا.
كان الجنود والضباط المغاربة يعتبرون الراجمة الثالثة هي نخبة الجيش المغربي, وهي في الغالب مشكلة من وحدات خاصة للتدخل السريع, وعلى هذه الراجمة يقع ثقل نجدة كل ذلك القطاع الطويل الممتد من أم أدݣن إلى تشلة في أقصى الجنوب.
وخلال كل مراحل الحرب لم يتم إختبار صلابة هذه الراجمة الشهيرة في المعركة فقد كانت تتمركز دائما خلف الجدار وتأتي كنجدة في حالة تعرض الجدار للهجوم ,وطبعا كان هذا الدور يجنبها الاصطدام المباشر مع المقاتلين الصحراويين.
ومثلما كان الجيش المغربي يعتمد كثيرا على سمعة هذه الراجمة كان الصحراويون منذ زمن يتمنون لو تسوقها الأقدار يوما لمواجهتم, ويبدو أن ذلك اليوم لم يعد بعيدا.
مع نهاية شهر يناير 1988 قررت القيادة العسكرية تنفيذ معركة جديدة كانت تستهدف جزءا من الحزام الدفاعي غرب أزايݣ بدرݣ,وتم تحضير كل الوحدات التي ستشارك في الهجوم,وفي آخر لحظة تبين أن الفاصل الذي تم إختياره للعبور قد تمت حراسته وهذا يعني أن المعركة ستؤجل حتى إختيار نقطة أخرى.
في هذا الوقت بالذات إنطلق الفيلق الرابع من لگطيطيرة مباشرة نحو أزايگ بدرگ,وهناك كانت كل النواحي التي ستشارك في المعركة تنتظر منذ أيام.
كانت التشكيلات العسكرية جاهزة تماما وقد توزعت شرق منطقة أزايݣ,ولم يكن ممكنا البقاء طويلا في تلك المنطقة المكشوفة.
في صباح اليوم الموالي 30 يناير 1988 عقد إجتماع ضخم ضم هذه المرة كل القادة المشاركين في المعركة تحت قيادة إبراهيم غالي الذي كان وزيرا للدفاع في تلك الأيام ,وبعد إستعراض كل المعلومات التي قدمتها وحدة الاستطلاع تقرر بشكل صارم تنفيذ ذلك الهجوم فجر يوم الغد مهما كان الثمن.
وعلى هذا الأساس تم تكليف مجموعات الاستطلاع بالانطلاق فورا نحو الحزام وإختيار نقطة مناسبة للعبور.
توجهت مجموعة الاستطلاع التابعة لفيلق البحرية نحو منطقة أم أدگن فيما توجهت مجموعة الاستطلاع التابعة للفيلق الرابع نحو منطقة حفرة إشياف.
مع حلول المساء تقدم الفيلق الرابع نحو واد أتريتيم الذي تم إختياره كنقطة للانطلاق نحو المعركة وقبل صلاة المغرب بقليل وصل الخبر الذي كان الرجال ينتظرونه ,لقد تمكن إستطلاع الفيلق الرابع من إختيار فاصل مناسب للعبور في منطقة حفرة إشياف ,وهو نفس الفاصل الذي دخلت منه الراجمات المغربية منذ أيام ولا تزال الثغرة التي دخلوا منها حديثة ,وعلى الفور قررت قيادة المعركة الدخول من ذلك الفاصل الذي دخلت منه الراجمة الثالثة , ربما لتؤكد للجنود المغاربة أن الصحراويين يتحدون راجماتهم.
في نفس تلك الليلة إنطلق المشاة نحو الحزام وعلى الفور إجتمعت قيادة المعركة للمرة الأخيرة وخلال هذا الاجتماع تم إعتماد الخطة التالية:
- تم تحديد نقطة الانطلاق نحو المعركة من واد أتريتيم.
- إعتماد الساعة الخامسة فجرا كموعد لإقتحام الجدار المغربي.
- تتولى الكتيبة الثانية من الفيلق الرابع مدعمة بوحدة من فيلق البحرية الدخول نحو الميسرة (الخالفة العسرية).
- تتولى الكتيبة الثالثة من الفيلق الرابع مدعومة بوحدة من الناحية الأولى الدخول نحو الميمنة (الخالفة العربية).
- تتولى الكتيبة الأولى من الفيلق الرابع مدعومة بوحدات من الناحيتين الأولى والثالثة الدخول نحو القلب (المحرد ).
- تتولى وحدات من الناحية الثالثة الدخول نحو أقصى اليمين والسيطرة على نقطة الاسناد.
- تتولى وحدات المدفعية أمر القواعد المحاذية للمعركة والرد على المدفعية المعادية.
- وستتولى سرايا الدفاع الجوي مهمة حماية أجواء المعركة وتامين عملية الانسحاب.
ومع نهاية هذا الاجتماع صدرت الأوامر بشكل قاطع بضرورة تدمير كل الدفاعات المعادية المستهدفة .
كان فيلق البحرية يقاتل معنا للمرة الثانية بعد معركة أم أدريݣة ويبدو أن القيادة العسكرية كانت تحضرنا جميعا للعمل معا بشكل دائم, كان هذا الفيلق يتولى القتال على ضفاف المحيط الاطلسي قبل تشييد الجدار المغربي السادس, وقد جاب أولئك الرجال المخضرمين كل تلك الشواطئ الممتدة من مدينة العيون الى مدينة لݣويرة في أقصى الجنوب,ووصلوا في بعض الأحيان الى منطقة آخفنير على مشارف مدينة طرفاية, وخلال سنوات طويلة كانوا أسياد تلك الشواطئ وتمكنوا من إعتراض العديد من البواخر التي كانت تدخل المياه الاقليمية الصحراوية , ومع بداية سنة 1987 تم تحويل هذا الفيلق الى فيلق مسلح برشاشات 23 ملم ومنذ دورية الخريف أصبح يقاتل إلى جانبنا بشكل دائم.
في حدود الساعة الثانية فجرا وصل المشاة الى الفاصل المستهدف ووسط الظلام الدامس بدأ رجال الهندسة العسكرية يعملون على فتح ثغرة العبور التي كانت هذه المرة سلسة بسبب حداثة ردمها بعد دخول الاستعراض المغربي,ومع ذلك كانت لسعات البرد الشديدة ليلة 31 يناير تجعل عمليات الحفر صعبة للغاية, كان المقاتلون يزيحون تلك الرمال الخشنة وأياديهم تكاد تتجمد بفعل البرودة العالية التي تمتاز بها هذه الأرض في عز الشتاء,ورغم ذلك كان عليهم أن ينجزوا عملهم قبل الخامسة فجرا.
ومع إقتراب ساعة الصفر كان واد أتريتيم الشهير يبدو هادئا جدا ولا يسمع في جنباته سوى صوت صفير الريح وهي تداعب أغصان الطلح وموجات الهواء البارد تلسع وجوه مئات الرجال الصامتين والمتأهبين في إنتظار ساعة الإقتحام.
عند تمام الساعة الخامسة فجرا زمجرت محركات BMP1 وبدون أي إنتظار إنطلقت تلك العربات السريعة نحو الغرب ومعها تحركت كل النواحي المشاركة.
كانت تضاريس تلك الأرض وعرة جدا وتكثر فيها الصخور بشكل غريب,وقد جرت العادة أن يتم الاقتحام وسط الظلام ,فلم يكن معقولا إشعال أضواء الآليات وهي تتجه ألى الحزام لأن ذلك ببساطة سيعرضها للاستهداف المباشر,وخلال كل المعارك السابقة كان الفيلق الرابع يقتحم دون أن يشعل أضواء الناقلات.
أثناء عملية الاقتحام وبفعل الظلام الدامس والغبار الكثيف الذي تثيره جنازر ناقلات BMP إصطدمت سيارة لاندروفير تابعة للناحية الثالثة بجرف صخري دون أن تراه وتعطلت بشكل كامل,ومن خلال اللاسلكي تم الاشعار بهذه الحادثة وعلى الفور ولتفادي مزيد من الخسائر غير الضرورية أصدرت قيادة المعركة أمرا مباشرا سمعه كل القادة المشاركين في المعركة يقضي بأن تشعل كل الآليات أضواءها وتواصل الاقتحام.
وعلى حد علمي كانت هذه أول مرة يهاجم فيها الصحراويون فجرا وهم يشعلون الأضواء.
وللوهلة الأولى كان الجميع يتوقع أن يستهدف العدو أضواء الآليات لكن الذي حدث لم يكن في الحسبان أبدا,فبدل أن يتم استهداف المهاجمين وتحت تأثير كثرت الأضواء القادمة من الشرق والتي كانت تبدو من بعيد وكأنها مدينة تتحرك ,هرب أغلب الجنود المغاربة الموجودين في القواعد الامامية نحو الأعماق بسبب الرعب من هذا المشهد غير المألوف لديهم والذي كان يبدو أكبر من قدرتهم على المواجهة.
ومع وصول طلائع المهاجمين الى ثغرة العبور إلتفت الكتيبة الثانية من الفيلق الرابع ووحدة من فيلق البحرية نحو نقطة الاسناد على اليسار.
وبعد وقت وجيز دخلت الكتيبة الثالثة من الفيلق الرابع متبوعة بوحدة من الناحية الأولى وعلى الفور توجهتا نحو القاعدة على اليمين.
فيما واصلت الكتيبة الاولى من الفيلق الرابع وكتائب الناحيتين الأولى والثالثة التقدم نحو أعماق المعركة وشكلوا جدارا ناريا في وجه النجدات المحتملة.
ثم دخلت وحدات من الناحية الثالثة وإتجهت مباشرة الى أقصى يمين الجبهة المهاجمة وتولت السيطرة على نقطة الاسناد البعيدة.
كان ظلام الفجر لازال يخيم على حفرة إشياف رغم أن أرض المعركة كانت تبدو مضاءة بشكل كامل بفعل أضواء الصواريخ والقنابل التي كانت تجتاح سكون ذلك الفجر البارد في تلك المنطقة التي قدر لها أن تشهد مجيء زوار الفجر مرتين.
كانت هذه هي المرة الثانية التي تجد فيها حفرة إشياف نفسها تحت رحمة جنازر ناقلات BMP1 بعد المعركة الأولى التي حدثت في الصيف الماضي في الثالث عشر يوليوز 1987,وطبعا كان ذلك يعني أن الجنود المغاربة في ذلك القطاع يدركون جيدا إستحالة التصدي لهجوم الفجر الصحراوي.
ومع بداية المعركة تقدمت الكتيبة الأولى من الفيلق الرابع نحو أعماق العدو وكانت وحدات من الناحيتين الأولى والثالثة تحيط بناقلاتنا من الجانبين, وعلى مسافة ستة كلمترات تقريبا خلف الحزام توقفت المدرعات في وضعية القتال في إنتظار النجدات التي ستأتي بدون شك لدعم القواعد المهاجمة,وبعد وقت قصير ظهرت أضواء طلائع النجدات المغربية التي كانت تسير مسرعة نحو الجدار الدفاعي دون أن تعلم ما ينتظرها.
كانت الكتيبة الأولى جاثمة في الظلام في أعماق المعركة بكل ناقلاتها ومعها رشاشات 23 ملم التابعة للناحيتين الاولى والثالثة,كانوا جميعا متأهبون تماما كنمور تنتظر الانقضاض على فريستها,وبدون سابق إنذار لعلعت أصوات رشاشات الناحية الأولى ثم فتح الجحيم أبوابه في وجه تلك النجدات السيئة الحظ التي لم تعد تدري من أين يأتيها الخطر,ولم تجد بدا من التراجع لتتبين مستوى إصاباتها, وتولت الناحية الأولى مطاردة تلك الفلول الهاربة حتى منطقة أگليبات إحياك.
وفي نفس هذا الوقت تقريبا تمكنت الكتيبة الثالثة ووحدة الناحية الأولى من السيطرة الكاملة على القاعدة التي سقطت تحت قوة النيران وتم إجتياحها تماما.
كان مشاة الناحيتين الأولى والثالثة قد إعتادوا على القتال إلى جانب الفيلق الرابع بعد كل تلك المعارك التي كانت منطقة تيرس مسرحا لها ,وكنت ترى أولئك المقاتلين المخضرمين الذين خبروا ساحات الحرب منذ بداية الغزو يختلطون تلقائيا بشباب الفيلق الرابع ويقاتلون معا جنبا إلى جنب.
كانت الكتيبة الثانية من الفيلق الرابع المعروفة بصلابتها تحاصر نقطة الاسناد القوية والمدعمة برشاشات 12.7 ملم,وبعد وقت قصير وصلت كتيبة من فيلق البحرية وبدأ الخناق يشتد على نقطة الاسناد التي أصبحت كمرجل يغلي بسبب كثرت الرصاص والقذائف التي كانت تستهدفها وقبل سقوطها بقليل أصيب نائب قائد الكتيبة الثانية محمد ولد ننات ثم أصيب إبراهيم السالم عبد الرحمن(بزقولة) وأستشهد رفيقهم الباه ولد البخاري.
كانت هذه الاصابات دافعا إضافيا جعل الكتيبة الثانية ترمي بكل ثقلها وتصب جام غضبها الممزوج بالرصاص والقنابل على تلك القاعدة التي تحولت بشكل سريع الى ما يشبه فوهة البركان وعندما ما انتهوا منها كانت النيران تأكلها من كل جانب.
وعلى الجانب الآخر كانت الناحية الثالثة قد إجتاحت نقطة الاسناد الشرقية بشكل سريع وتمكنت من تصفيتها تماما.
وبعد نهاية المعركة توجه الفيلق الرابع نحو منطقة أگراير لبيار وبعد الزوال بقليل كنا نتناول الشاي على عجل, ورغم أن الحصى التي تخلفها الزوابع الرملية (آجلاويج) كانت تحجز ثلث الكأس تقريبا إلا أن ذلك الشاي كان ذا طعم خاص.
ظهر يوم المعركة أعلنت إذاعة لندن أن معركة حفرة إشياف قد دامت ثلاثة ساعات وأسفرت عن مقتل 180جنديا مغربيا وأسر 18 آخرين وتم خلالها الاستيلاء على كميات كبيرة من الاسلحة المغربية وان من بين الأسرى ثلاثة ضباط برتبة ضابط صف.
وفي مساء نفس اليوم وتحت سماء تيرس الصافية التي تطفو فيها آلاف النجوم نحو المجهول كانت مجموعة من فصيلتنا تتابع بإهتمام بالغ بث الاذاعة الوطنية في إنتظار بلاغ وزارة الدفاع الخاص بالمعركة,وفي حدود الساعة التاسعة مساءا صدحت الموسيقى العسكرية معلنة نتائج معركة حفرة إشياف,ثم قرأ المذيع البلاغ التالي:
سطرت وحدات باسلة من جيش التحرير الشعبي الصحراوي يوم 31 يناير 1988 ملحمة عسكرية جديدة ضد مواقع القوات المغربية بحفرة إشياف التابعة قطاع أم أدريگة .
وقد هاجمت الوحدات الصحراوية مواقع العدو ابتداءا من الساعة: 5,00 حتى 8,30 صباحا
على جبهة طولها 15 كلمترا.
-وقد تمكن مقاتلونا الميامين من إلحاق الخسائر التالية بقوات العدو:
- إحتلال قاعدتين.
- تدمير قاعدتين.
- قتل أكثر من 180 ضابط وجندي.
- تحطيم وإسكات عدة بطاريات للمدفعية.
- تدمير 03 مخازن للذخيرة.
وتمكن مقاتلونا من الاستيلاء على معدات العدو التالية:
-02 مدفع عيار 106 ملم.
-03 هاون.
-02 رشاش PKT.
-02 قاذف صواريخ.
- 03 أجهزة بصرية للتسديد.
-30 سلاحا خفيفا ما بين أكلاشينكوف وفال.
-03 مواسير رشاش 14,5 ملم.
-03 نظارات ميدان.
-01 جهاز للرؤية الليلية.
-02 جهاز إرسال واستقبال.
- كميات كبيرة من الذخيرة.
- إدارة كتيبة وإدارة فصيلة.
وقد تمكن مقاتلوا جيش التحرير الشعبي الصحراوي من أ سر 18 ضابط وجندي مغربي.
وبعد نهاية البلاغ العسكري إنفضت تلك المجموعة المتعبة وعلى ضوء خافت كانت تبعثه بعض عيدان آسكاف ,كان يمكن تمييز علامات الرضا على وجوه الشباب الذين كانوا يدركون معنى تحقيق الانتصار في المعركة.
يتبع....معركة أم أدݣن...الفجر الدامي.

ليست هناك تعليقات:

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *