الجزائر قبلة الأحرار و مكة الثوار و نصيرة حركات التحرر في جميع بقاع العالم ...
بعد أن دعمت الجزائر أكثر من 32 حركة تحرر في جميع بقاع العالم و ساعدت بالسلاح و الثقل الدبلوماسي ثوار الحرية و الإستقلال في مناطق و أصقاع تبعد عنها باََلاف الكيلومترات و ضد قوى عملاقة كالولايات المتحدة الأمريكية في الفيتنام، بريطانيا العظمي و فرنسا في اَسيا و إفريقيا، وضع القدر الجزائر من جديد أمام مسؤولياتها و ثوابتها المبدئية الموروثة عن ثورتها المظفرة المجيدة، و كانت هذه المرة على حدودها.
فبعد تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و واد الذهب و المعروفة إختصاراً بـ POLISARIO في 10 ماي 1973 و قيامها بعدة عمليات عسكرية ضد حاميات الجيش الإسباني المنتشرة في الصحراء الغربية (إسبانيا إحتلت الصحراء الغربية سنة 1884) و بعد القرارات المتخذة من قبل الأمم المتحدة سنة 1963 بإعتبار الصحراء الغربية تدخل ضمن قائمة الأقاليم المحتلة في العالم ثم مساءلة إسبانيا حول ملكية الصحراء الغربية سنة 1965، إقتنعت إسبانيا بضرورة إيجاد حل يخرجها من هذا المأزق فأعلنت في سنة 1974 عن عزمها بتنظيم استفتاء لتقرير المصير في الصحراء خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 1975.
إلا أن إسبانيا كان يهمها قبل كل شيئ ضمان مصالحها في الصحراء الغربية بعد إنسحابها خصوصاً في ظل النوايا التوسعية المعلنة صراحة من قبل المملكة المغربية و موريتانيا في هذا الإقليم. وفي هذا الإطار أجرت الحكومة الإسبانية لقاءات في سبتمبر 1975 مع بوليساريو كان موضوعها الاستقلال ومستقبل العلاقات إلا أنها عقدت أيضاً في الشهر الموالي مباشرة "اتفاقية مدريد" مع المغرب وموريتانيا والذي تتخلى بموجبها إسبانبا عن إدارة الصحراء لصالح البلدين بعد أن ضمنت تبعاً للشق السري من هذه الإتفاقية على إمتيازات واسعة في الصحراء الغربية كان من أهمها حصولها على ثلت إنتاج منجم بوكراع من الفوسفات و حق الصيد على طول سواحل الصحراء الغربية.
أما من الجانب المغربي و الموريتاني فقد ضمنتا تحييد إسبانيا بفضل الضغط الفرنسي على الحكومة الإسبانية الضعيفة خصوصاً بعد مرض الجنيرال فرانكو، و ضمنتا أيضاً عدم دخول الجزائر في الخط و مطالبتها مثل إسبانيا بإمتيازات في الصحراء و هذا بعد إعلان الرئيس هواري بومدين في القمة العربية بالرباط 1974 و قبل ذلك في سبتمبر 1970 بمؤتمر نواذيبو في موريتانيا (جمع كل من بومدين، الملك الحسن الثاني و الرئيس الموريتاني المختار ولد دادة) بأن ليس للجزائر أي مطالب في الصحراء الغربية و أنها ترحب بكل الجهود من أجل تصفية الإستعمار في الصحراء. إضافة إلى كل هذا فقد توجهت كل من المملكة المغربية و موريتانيا سنة 1974 إلى محكمة العدل الدولية بلاهاي من أجل إبدائها برأيها بشأن السيادة على هذا الإقليم.
إلا أن فرنسا ستحصل على معلومات سرية تفيد بالقرار الإستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي لن يكون في مصلحة المغرب أو موريتانيا. و بالفعل ففي يوم 16 أكتوبر 1975 صدر قرار محكمة لاهاي الذي يقضي بعدم كفاية الأدلة التي قدمها المغرب أو موريتانيا لإثبات سيادة أي منهما على الصحراء الغربية. و لكن حصول المغرب على المعلومات السرية لقرار محكمة لاهاي منح له الوقت الكافي للإنتقال إلى الخطة "ب"، ففي نفس يوم صدور قرار محكمة العدل الدولية سيطلق الملك المغربي ما يسمى بـ "المسيرة الخضراء" التي ستشهد نقل الاَلاف من المواطنين المغربيين إلى الحدود الفاصلة بين المملكة و الصحراء الغربية من أجل دعم موقف بلادهم و رفض قرار محكمة العدل الدولية.
و مع دخول القوات المسلحة المغربية و الموريتانية إلى الأراضي الصحراوية بتواطؤ إسباني، ثم إنكشاف البنود السرية لإتفاقية مدريد و إخلال إسبانيا لإلتزاماتها، إضافة إلى بروز جبهة البوليزاريو كفاعل جديد ممثل للشعب الصحراوي و التدخل الفرنسي الفاضح في المنطقة بدأت الجزائر في إعادة حساباتها من جديد أمام منطق القوة و الأمر الواقع الذي إنتهجته المملكة المغربية و موريتانيا بتشجيع و دعم فرنسي. فبعد أن كانت المملكة المغربية و موريتانيا تؤكدان أنهما لن تفرطا في ذرة رمل واحدة من الصحراء إنقلبت الاَية إلى تفريطهما في نصف الصحراء و تنازلهما لإسبانيا على إمتيازات تمس بسيادتهما المزعومة على هذا الإقليم و تبين للكل أن القضية لا تعدو أن تكون قضية توسع و إحتلال لا أكثر و لا أقل.
ففي أكتوبر 1974 بدأت الجزائر تنادي إلى إستكمال إسبانيا لمساعيها و ترتيباتها التي بدأتها سنة 1974 لإقامة إستفتاء تقرير المصير بالصحراء و هو الموقف الذي رفضته كل من المملكة المغربية و موريتانيا و قبلته جبهة البوليزاريو.
و أمام هذا الوضع الخطير سارعت إسبانيا إلى إنهاء تواجدها في الصحراء الغربية حيث إكتمل في جانفي 1976 إنسحاب اَخر جندي إسباني من الصحراء، و في 26 فيفري 1976 أعلنت البوليزاريو عن تأسيس "الجمهورية العربية الصحراوية الشعبية الديمقراطية" إلا أن الأوضاع ستتفجر في أفريل 1976 بعد توقيع المملكة المغربية و موريتانيا رسمياً على إتفاقية تقسيم الصحراء بينهما لتندلع بذلك حرب الصحراء بين جبهة البوليزاريو ضد كل من المغرب و موريتانيا مجتمعتين.
بعد الضربات القوية المتوالية التي وجهتها جبهة البوليزاريو لموريتانيا و التي أدت إلى إنهيار نظام مختار ولد دادة في 10 جويلية 1978 وقعت موريتانيا على إتفاقية سلام مع جبهة البوليزاريو في عاصمة سيراليون فريتاون في 05 أوت 1979 حيث إعترفت بموجبها موريتانيا بالجمهورية العربية الصحراوية و إنسحبت نهائياً من الصحراء الغربية و تركت المغرب وحيداً في الحرب.
رغم الدعم الفرنسي و الإستشارات العسكرية الإسرائيلية (إقامة جدار الصد المغربي بتكنولوجيا إسرائيلية المشابه لحاجز بارليف في سيناء) و أموال البيترودولار الخليجية للمغرب إلا أن المملكة لم تتمكن من فرض سيطرتها و وقف هجمات البوليزاريو و هو ما أدى إلى إطالة عمر الحرب و إنهاك الإقتصاد المغربي مما نتج عنه خروج مظاهرات عارمة في المملكة سنة 1984 فقد الملك الحسن الثاني على إثرها توازنه و صوابه و ألقى خطاب ناري نعت من خلاله شعبه بالأوباش.
الضغط الرهيب للحرب و عدم تمكن المغرب من تحمل تكاليفها دفع بالملك المغربي إلى التفاوض مباشرة مع البوليزاريو منذ بداية الثمانينيات. و في سنة 1991 و بعد مفاوضات شاقة برعاية الأمم المتحدة أمضت كل من المملكة المغربية و جبهة البوليزاريو على إتفاقية وقف إطلاق النار و قبول مبدأ إقامة إستفتاء تقرير المصير للشعب الصحراوي تسهر على ترتيبه الأمم المتحدة عبر المينورسو.
للأسف تراجعت المملكة المغربية عن قبول مبدأ تقرير المصير بعد وفاة الملك الحسن الثاني سنة 1999 لتقدم حل الحكم الذاتي الموسع في الصحراء و هو ما رفضته جبهة البوليزاريو، لينخرط الطرفان منذ ذلك الحين في جولات من المفاوضات التي لا تنتهي.