-->
وكالة الانباء المستقلة | سبتمبر 30, 2026 |

«عليكم أن تخسؤوا وتبوؤوا بشِسع نعل كُليب» . عبارة تراثية تتحول إلى أقسى رسائل الخرطوم في الأمم المتحدة

  



«عليكم أن تخسؤوا وتبوؤوا بشِسع نعل كُليب».. بهذه العبارة التراثية ذات الحمولة البلاغية الثقيلة، اختتم مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس، رده على المداخلة الإماراتية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ولم تكن العبارة مجرد جملة عابرة في سجال دبلوماسي؛ فقد جاءت في ختام رد طويل وجّه خلاله السفير السوداني انتقادات حادة إلى الموقف الإماراتي، واتهم أبوظبي بتقديم دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع، معتبراً أن التدخلات الخارجية تسهم في إطالة أمد الحرب السودانية. كما أشار إلى أن الخرطوم قدمت للأمم المتحدة ما قالت إنها تقارير ووثائق تتعلق بهذا الدعم.

لكن لماذا اختار الحارث إدريس تحديداً عبارة «شِسع نعل كُليب»؟

■ كلمتان تختصران معنى الاحتقار

الشِّسع في اللغة هو السير الذي يُربط به النعل. أما كُليب فهو كليب بن ربيعة، الشخصية الشهيرة في الروايات العربية المرتبطة بحرب البسوس، والتي ارتبطت بقصة ثأر أخيه المهلهل له.

ولهذا أصبحت عبارة «شِسع نعل كُليب» في الاستعمال البلاغي كناية عن شيء بالغ الضآلة قياساً إلى قيمة ومكانة كُليب.

وعندما يقول السفير: «اخسؤوا بشسع نعل كليب»، فهو لا يقول ببساطة إن «الفارق كبير»، وإنما يستخدم صيغة عربية تراثية شديدة القسوة في التقليل من شأن المخاطَب، بمعنى قريب من: أنتم لا تساوون حتى رباط نعل كُليب.

وقد وصفت مصادر إعلامية العبارة بأنها من أشد صيغ التحقير في العربية، في سياق الرد السوداني على الإمارات.

■ من حرب البسوس إلى حرب السودان

هنا تكمن قوة العبارة سياسياً وبلاغياً.

فالسفير لم يستدعِ مفردة معجمية غريبة، وإنما استحضر واحدة من أشهر الذاكرة الرمزية في التراث العربي: كُليب، مقتله، وثأر المهلهل، وحرب البسوس.

وبذلك نقل السجال من لغة البيانات الدبلوماسية الباردة إلى لغة عربية قديمة تعرف كيف تختصر الكرامة والثأر والدم والمكانة في عبارة قصيرة.

فالرسالة التي أراد إيصالها، وفق سياق خطابه، هي أن السودان لا يرى نفسه في موقع المتلقي الصامت للاتهامات، وأنه يعتبر ما يوجه إليه من اتهامات وتدخلات خارجية تجاوزاً لا يمكن قبوله.

■ «كل إناء بما فيه ينضح»

واللافت أن الحارث إدريس كان قد اختار، قبل عبارته الأخيرة، لغة أخرى لا تقل دلالة، إذ قال إن السودان كان قادراً على استخدام أوصاف مهينة تجاه الإمارات، لكنه اختار أن يتصرف وفق ما وصفه بـ**«أخلاقنا وقيمنا»**، قبل أن يرد بالعبارة التراثية الحادة.

وهنا يظهر البناء البلاغي للخطاب: هدوء دبلوماسي أولاً، اتهامات ووثائق ثانياً، ثم خاتمة تراثية صادمة.

■ لماذا أثارت العبارة كل هذا الاهتمام؟
لأنها أعادت إلى التداول تعبيراً عربياً قديماً في قلب واحدة من أكثر السجالات الدبلوماسية سخونة حول الحرب السودانية.
فبدلاً من أن ينتهي الرد بعبارة دبلوماسية مألوفة، اختار السفير مفردة يعرفها المتلقي العربي المثقف جيداً، بينما دفعت غرابتها على الأجيال الجديدة كثيرين إلى البحث عن معناها وأصلها.
وهكذا تحولت «شِسع نعل كُليب» من جزء من قاموس التراث العربي إلى عنوان لمواجهة دبلوماسية معاصرة، وأصبحت العبارة الأكثر تداولاً من خطاب السفير السوداني في الأمم المتحدة.
وبلغة السياسة: كانت الرسالة واضحة؛ وبِلغة التراث: كانت أشد وضوحاً..

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *