القائمة الرئيسية

الصفحات

مجلس الأمن.. إختبار غير مسبوق في نزاع الصحراء الغربية يضع مسار السلام على المحك.

   


بقلم : عالي إبراهيم محمد، كاتب وإعلامي من الصحراء الغربية. 

تتجه قضية الصحراء الغربية نحو مرحلة معقدة للغاية في ظل الجدل الذي أثارته المسودة الاولية التي اعدتها واشنطن ، المطروحة في إطار المشاورات داخل مجلس الأمن، والتي لاقت اعتراضا سريعا من جبهة البوليساريو بالرفض الصريح والواضح للعناصر التي  تعتبر مساساً بجوهر القضية وتقويضها لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير وايضا بالأسس التي ينبغي أن تقوم عليها العملية السياسية، وحدود التسوية الممكنة بين الطرفين والتي لا يجب أن تكون خارج ممارسة  الشعب الصحراوي لحقه في تقرير المصير وإختيار مستقبله دون أدنى الشروط أو المقايضات. 
إن رسالة جبهة البوليساريو إلى مجلس الامن بتاريخ 22 اكتوبر، إستندت إلى مرجعيتها وهويتها السياسية ومهتمها وهي تمثيل الشعب الصحراوي والدفاع عن حقوقه في الحرية والاستقلال والعيش سيداً على أرضه. هذا إذن هو المنطلق التي بُنِيَ عليه الرفض الصريح لأية مقاربة ترمي إلى تقويض حق تقرير المصير والذي لا يمكن أن يتم التعامل معه على أساس مجرد ورقة تفاوضية قابلة للمساومة، بل يمثل مبدأ تأسيسياً لا يمكن تجاوزه تحت أي مبرر. هنا يمكن القول بأن جبهة البوليساريو قدمت الجواب على كل الأسئلة التي يمكن طرحها، جواب مفاده أن رغبة بعض الأطراف في قبولنا لتسوية لا تستجيب لهذا المبدأ يتناقض مع سبب وجودنا كحركة تحرير وطنية دورها يقوم  على تمثيل الشعب الصحراوي والدفاع عنه حقوقه المقدسة في الحرية والاستقلال.
هذا الرد، جاء بحجم ومستوى خطورة الانزلاق الأمريكي، حيث إستخدمت جبهة البوليساريو خطابا سياسيا صريحاً لوصف وتحديد مجموعة العناصر الواردة في المسودة والتي لم تتجاوز الشرعية الدولية فحسب وإنما تمس الحقوق المقدمة للشعب الصحراوي في الاستقلال والحرية، وهي خطوط حمراء سبق وأن حددتها في عدة مناسبات وأكدت موقفها منها. هذا التوصيف ابرز كذلك مدى حدود المرونة التي يمكن أن تبديها جبهة البوليساريو في التعامل مع المقترحات المطروحة والتي تتطلب حالياً معالجة وتعديلات جوهرية.  
لم تتوانَ جبهة البوليساريو في تحذير مجلس الامن والمجتمع الدولي في نص الرسالة بعث بها في ٢2 اكتوبر الجاري ممثلها لدى الامم المتحدة إلى رئاسة مجلس الامن، حول تداعيات اعتماد المسودة الأولية من دون تعديلات جوهرية ، والتي قد تكلف المجتمع الدولي  إنسحاب العنصر المركزي في النزاع من العملية السياسية والعودة إلى نقطة الصفر، وبالتالي تعقيد إضافي لجهود الأمم المتحدة التي بدورها لم تحسم بعد من سيكون خلفا للأمين العام الحالي بعد نهاية ولايته بعد شهرين.
إن موقف جبهة البوليساريو قد اعطى من جهة إشارات جادة إلى كل الأطراف مفادها أن المضي في هذا النهج سوف يضعف فرص بناء توافق جديد ويزيد صعوبة العودة إلى طاولة المفاوضات. ومن جهة أخرى، وضع مجلس الامن امام اختبار القدرة على التوفيق بين دفع العملية السياسية إلى الأمام والحفاظ على الحد الأدنى من القبول بمرجعيتها ونتائجها المحتملة، أو بالمعنى الاصح "وضع كامل المسؤولية اليوم على عاتق مجلس الامن لإنقاذ المسار السياسي أو نسفه دون رجعة".
حتى لا نستبق الاحداث، فإلى غاية موعد جلسة التصويت 30 اكتوبر الجاري وفق جدول الاعمال القابل للتغير، سيبقى رئيس المجلس يتلقى الملاحظات والاعتراضات،  ضمن ما يعرف دراسة سبل خلق توازنات بين المواقف مختلفة لأعضاء للوصول إلى صيغة معدلة متفق عليها رغم التعقيدات المحيطة بهذه العملية الآن. وبالتالي فإن الخيارات المتاحة أمامه لا تخرج عن امرين، إما مواصلة الدفع بالمسودة المرفوضة وبالتالي استمرار الانقسام وغياب الثقة وإضعاف فرص التقدم الدبلوماسي، أو إدخال تعديلات جوهرية تستجيب للاعتراضات الأساسية، التي من شأنها احتواء التصعيد وإنقاذ مسار السلام. 
إن موقف جبهة البوليساريو المتمثل في التمسك بالمسار الصحيح الذي يقوم على ولاية بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) وعلى تمكين الشعب الصحراوي من تقرير مصيره. لا يمكن اعتباره تعنتاً أو تمرداً على الشرعية وذلك راجع إلى تماشيه مع القرارات المجلس نفسه التي تدعو إلى إبقاء القضية في الإطار الأممي، وبالتالي على العكس يكرس مشروعية موقفها الرافض لأي مسار يقوض مبدأ تقرير المصير.
وفي المقابل ذلك، بالبناء على الوقائع الحالية، يبقى مستقبل العملية السياسية هش للغاية، والخيارات التي أمامها ضئيلة للغاية ويمكن حصرها في ثلاثة مسارات رئيسية.
1. تعديل المسودة الأمريكية بصورة جوهرية بما يفتح المجال أمام استئناف التفاوض ومنه تفادي القطيعة مع المسار السياسي.
2. استمرار الخلاف مع محاولة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة لمواصلة المشاورات
3. تعثر العملية أو انسحاب البوليساريو منها بإعتبار أن الصيغة المعتمدة تتجاوز خطوطها الحمراء
هذا الاحتمال الأخير رغم انه ضئيل بعد ما تم إحداث عدة تغييرات على المسودة، إلا انه يحمل مخاطر جادة على الهدنة والسلم والاستقرار الإقليمي، إلا انه الان وقبل اسبوع من جلسة التصويت، يبقى من السابق للأوان الجزم بأي هذه الخيارات الثلاثة سيتحقق، لأن الأمر المرتبط بنتائج المشاورات المستمرة ومضمون التعديلات المحتملة ومواقف أعضاء مجلس الأمن والطرفين، ومدى حجم التنازلات التي سوف يتم تقديمها في هذا الصدد.
كخلاصة ما يمكن تأكيده الان هو أن مسار السلام في الصحراء الغربية يمر من لحظة مفصلية، تشهد تداخل بين المبدأ السياسي مع حسابات الضغط الدبلوماسي ومخاطر نسف العملية السياسية برمتها. وبين تمسك العنصر المركزي في النزاع بحق تقرير المصير للشعب الصحراوي، ومسؤولية مجلس الأمن في البحث عن صيغة مقبولة للحفاظ على هذا المسار الذي تعمل جبهة البوليساريو لصيانته من خلال المشاورات المتواصلة مع الأطراف المعنية داخل مجلس الأمن لتأكيد موقفها وتجديد التذكير بخطوطها الحمراء التي لا تقبل تجاوزها، وفي مقدمتها حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وبالتالي فإن  نتيجة هذه الاتصالات ستكون هي المؤشر على ما إذا كان المجلس سيتجه نحو تعديل يتيح إنقاذ العملية السياسية، أم إستمرار الخلاف بما يحمله من تداعيات على جهود السلام والسلم والاستقرار في المنطقة.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...

الأكثر قراءة