تعثر مجلس الأمن في تجديد ولاية بعثة الامم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية المينورسو يفتح مرحلة جديدة من الارتباك الأممي، لكنه لا يغيّر الطبيعة القانونية لقضية الصحراء الغربية باعتبارها قضية تصفية استعمار، ولا يمنح الاحتلال شرعية لاكتساب السيادة على الإقليم خارج إرادة شعبه.
إن ما حدث داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، يوم 30 أكتوبر 2026، يتجاوز في دلالاته مجرد إخفاق في تجديد ولاية بعثة أممية اعتاد المجلس تمديد مهمتها بصورة دورية.
فنحن أمام أزمة سياسية ومؤسساتية تكشف عمق الانقسام الدولي بشأن طبيعة النزاع ومستقبله، وتطرح تساؤلات جوهرية حول مصداقية المنظومة الأممية وقدرتها على تنفيذ الالتزامات التي قطعتها على نفسها تجاه الشعب الصحراوي.
فقد فشل المجلس في اعتماد مشروعي قرار متنافسين لتجديد ولاية البعثة، بعدما استخدمت روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي، فيما لم يحصل المشروع الروسي البديل على الأغلبية المطلوبة. وبذلك دخلت البعثة مرحلة غير مسبوقة من الغموض بشأن مستقبل تفويضها، مع حلول موعد انتهاء الولاية المحددة في 31 أكتوبر 2026.
غير أن القراءة السياسية والقانونية المتأنية لهذا التطور تقتضي الفصل بين ثلاثة مستويات كثيراً ما يجري الخلط بينها: مستقبل بعثة المينورسو، ومآل العملية السياسية الأممية، والوضع القانوني الدولي للصحراء الغربية. فهذه المستويات مترابطة، لكنها ليست شيئاً واحداً، ولا يؤدي تعثر أحدها بالضرورة إلى سقوط الآخر.
أولاً: انتهاء ولاية المينورسو لا يعني انتهاء قضية الصحراء الغربية
من الضروري التأكيد على أن بعثة المينورسو ليست هي القضية الصحراوية، وليست المصدر الوحيد للشرعية الدولية التي يستند إليها حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
فالبعثة أُنشئت بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690 الصادر في 29 أبريل 1991، لتنفيذ مخطط التسوية الذي وافق عليه طرفا النزاع، والذي نص على تنظيم استفتاء يتيح للشعب الصحراوي الاختيار بين الاستقلال والاندماج مع المغرب. وكان يفترض أن تشرف الأمم المتحدة على هذه العملية، بما في ذلك مراقبة وقف إطلاق النار وتحديد الهيئة الناخبة وتنظيم الاستفتاء وإعلان نتائجه.
وبالتالي، فإن انتهاء التفويض التشغيلي للبعثة، حتى لو استمر دون تجديد، لا يترتب عليه قانونياً إلغاء حق تقرير المصير، ولا شطب قضية الصحراء الغربية من جدول أعمال الأمم المتحدة، ولا تحويل الإقليم إلى أرض متنازع عليها خارج إطار تصفية الاستعمار.
والأهم أن الصحراء الغربية لا تزال مدرجة لدى الأمم المتحدة ضمن قائمة الأقاليم الخاضعة للاستعمار منذ سنة 1963، وهو تصنيف يرتبط مباشرة بمسؤولية المنظمة الدولية عن استكمال عملية تصفية الاستعمار وتمكين شعب الإقليم من ممارسة حقه في تقرير المصير.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية، حيث يمكن ان يتعطل الجهاز الأممي المكلف بمراقبة تنفيذ التسوية، لكن ذلك لا يعني أن الالتزام الدولي الذي استدعى إنشاء هذا الجهاز قد انتهى.
ثانياً: مجلس الأمن أمام أزمة سياسية لا أمام تسوية قانونية للنزاع
تكشف نتيجة التصويت الأخير أن مجلس الأمن لم يتمكن من إنتاج توافق حول مستقبل المينورسو، وأن الخلاف لم يعد محصوراً في مدة تمديد الولاية، بل امتد إلى طبيعة المهمة نفسها، ومرجعيتها السياسية، والوظيفة التي يفترض أن تؤديها مستقبلاً.
فالمشروع الأمريكي واجه الفيتو الروسي، بينما فشل المشروع الروسي البديل في الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده، بعد حصوله على ثلاثة أصوات مؤيدة مقابل صوت معارض وامتناع أحد عشر عضواً.
وهذا التفصيل مهم سياسياً؛ لأن النتيجة لا تعني أن مجلس الأمن تبنى موقفاً قانونياً جديداً بشأن السيادة على الصحراء الغربية، ولا أنه حسم النزاع لصالح أي من الطرفين، وإنما تعني عجزه عن التوصل إلى صيغة مشتركة لإدارة الملف.
كما أن رفض مشروع لا يمثل بالضرورة تأييداً للمشروع المنافس، تماماً كما أن استخدام حق النقض ضد مشروع لا يشكل بذاته حكماً قانونياً بشأن موضوع النزاع.
ومن هنا، فإن محاولة تقديم انتهاء ولاية المينورسو باعتباره انتصاراً نهائياً لموقف سياسي معين تتجاوز الدلالات الحقيقية لما حدث داخل المجلس.
ثالثاً: محكمة العدل الدولية.. المرجعية التي لا يستطيع الجمود السياسي تجاوزها
من أقوى المرتكزات القانونية التي تؤكد استمرار الطبيعة الاستعمارية للقضية الصحراوية الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 16 أكتوبر 1975.
فقد خلصت المحكمة، بعد دراسة الروابط التاريخية والقانونية التي عرضت عليها، إلى أنها لم تجد روابط سيادة إقليمية بين الصحراء الغربية والمملكة المغربية أو الكيان الموريتاني من شأنها التأثير في تطبيق قرار الجمعية العامة رقم 1514 المتعلق بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.
وأكدت المحكمة أن تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية ينبغي أن تتم وفق مبدأ تقرير المصير، من خلال التعبير الحر والحقيقي عن إرادة الشعب الصحراوي.
وهذه الخلاصة تكتسب أهمية استثنائية في المرحلة الراهنة، لأنها تضع حداً لأي محاولة لاعتبار التحولات السياسية أو موازين القوى الدولية بديلاً عن الشرعية القانونية.
فلا يمكن لقرار سياسي داخل مجلس الأمن، ولا لغياب التوافق بين أعضائه، ولا لتغيير صيغة عمل بعثة أممية، أن يحل محل المبدأ القانوني الذي أكدته محكمة العدل الدولية.
إن حق تقرير المصير ليس امتيازاً تمنحه القوى الكبرى، ولا منحة سياسية مرتبطة بظروف التفاوض، بل هو حق للشعب المعني، تؤطره قواعد القانون الدولي وتصفية الاستعمار.
رابعاً: المينورسو والفراغ التفويضي.. ما الذي يحدث قانونياً بعد 31 أكتوبر؟
يستوجب انتهاء ولاية البعثة التمييز بين انتهاء التفويض القانوني وبين إنهاء الوجود المادي والإداري للأمم المتحدة في الإقليم.
فمع حلول 31 أكتوبر 2026، ينتهي التفويض المقرر بموجب القرار 2797، ما لم يصدر قرار جديد عن مجلس الأمن. ولا يوجد في هذا القرار نص يقرر تمديداً تلقائياً للولاية.
لكن انتهاء التفويض لا يعني بالضرورة إخلاء المقرات وسحب الموظفين والمعدات في اللحظة نفسها؛ إذ يمكن أن تتطلب حماية الموظفين والأصول الأممية وتنظيم المغادرة إجراءات إدارية ولوجستية لاحقة.
ومن المهم هنا ضبط بعض المفاهيم القانونية:
التمديد التقني: ليس إجراءً تلقائياً، بل يحتاج إلى قرار جديد يصدر عن مجلس الأمن.
التدابير الإدارية المؤقتة: يمكن أن تتخذها الأمانة العامة لحماية الموظفين والممتلكات وتنظيم شؤون البعثة، لكنها لا تمنح تفويضاً جديداً لممارسة المهام الميدانية المنتهية.
التصفية والانسحاب المنظم: يمكن أن يشكلا مساراً إدارياً ولوجستياً لإنهاء وجود البعثة، لكن آجالهما وترتيباتهما تتوقف على القرارات والتعليمات الأممية ذات الصلة.
وعليه، لا يصح اعتبار بيان رئاسي أو توجيه إداري صادر عن الأمين العام بديلاً عن قرار مجلس الأمن اللازم لتجديد التفويض.
والنتيجة الأخطر ليست مجرد توقف الدوريات أو تراجع القدرة على مراقبة الوضع الميداني، بل احتمال فقدان أحد أهم أدوات الأمم المتحدة لمتابعة التطورات الأمنية والتحقق من الوقائع وتفادي التصعيد بين الطرفين.
فالأمم المتحدة نفسها تقر بأن المينورسو ظلت تؤدي دوراً في مراقبة التطورات العسكرية والتحقيق في الحوادث المرتبطة بالنزاع والمساهمة في خفض التوتر، حتى بعد انهيار وقف إطلاق النار في 13 نوفمبر 2020.
وهذا يعني أن غياب التفويض لا يخلق فراغاً قانونياً بشأن الصحراء الغربية، لكنه قد يخلق فراغاً عملياً ورقابياً خطيراً على الأرض.
خامساً: محاولة تحويل النزاع من تصفية استعمار إلى نزاع حول الحكم الذاتي
لا يمكن فصل أزمة المينورسو عن التحولات التي شهدها الخطاب السياسي داخل مجلس الأمن خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً المحاولات الرامية إلى جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً وحيداً أو مفضلاً للتفاوض.
وقد عكس القرار 2797 لسنة 2025 هذا التحول، عندما جعل المقترح المغربي أساساً للمفاوضات، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى حق شعب الصحراء الغربية في تقرير المصير. كما طلب من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية بشأن مستقبل ولاية البعثة.
لكن الإشكال الجوهري يكمن في أن وضع مقترح سياسي على طاولة المفاوضات لا يحوله إلى حقيقة قانونية مكتسبة، ولا يمنحه قوة الإلزام على الشعب الصحراوي، ولا يعفي المجتمع الدولي من ضمان ممارسة هذا الشعب لحقه في تقرير المصير.
فالفرق كبير بين التفاوض حول حل سياسي وبين فرض نتيجة سياسية مسبقة، وبين الاعتراف بوجود مقترح وبين اعتباره بديلاً عن الإرادة الحرة للشعب المعني.
ومن هذا المنطلق، فإن جوهر المعركة القانونية والسياسية اليوم يتمثل في منع تحويل قضية تصفية استعمار إلى مجرد خلاف حول ترتيبات إدارية أو شكل من أشكال توزيع الاختصاصات تحت السيادة المغربية.
إن أي تسوية لا تستند إلى الإرادة الحرة للشعب الصحراوي لا يمكن تقديمها باعتبارها استكمالاً لمبدأ تقرير المصير.
سادساً: ماذا يعني هذا التطور بالنسبة لجبهة البوليساريو والجمهورية الصحراوية؟
يفرض الوضع الجديد إعادة تقييم شاملة لطبيعة التعاطي مع الأمم المتحدة، وعدم اختزال القضية الصحراوية في مسار مجلس الأمن أو في مستقبل بعثة المينورسو.
فالتجربة الممتدة منذ سنة 1991 أظهرت أن وجود البعثة لم يكن كافياً لضمان تنظيم الاستفتاء، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على إنشاء الجهاز الأممي المكلف بذلك.
واليوم، مع تعثر تجديد ولايتها، يصبح من الضروري إعادة طرح الأسئلة الأساسية:
ما مصير الالتزام الأممي بتنظيم استفتاء تقرير المصير الذي شكل الأساس القانوني لإنشاء المينورسو؟
كيف يمكن ضمان استمرار الرقابة الدولية على الوضع الميداني وحقوق الإنسان في ظل غياب آلية أممية فعالة؟
ما مصير المسار السياسي إذا جرى تفريغ البعثة من وظيفتها الأصلية أو إنهاء وجودها دون توفير ضمانات بديلة؟
كيف يمكن منع استغلال الانقسام داخل مجلس الأمن لفرض واقع سياسي يتجاوز إرادة الشعب الصحراوي؟
كما أن هذه المرحلة تفرض تعزيز الحضور القانوني والدبلوماسي للجمهورية الصحراوية، والاستناد إلى المرجعيات الأممية والقضائية، وتوسيع دائرة النقاش داخل الجمعية العامة والهيئات المعنية بتصفية الاستعمار، وعدم السماح بحصر مستقبل القضية في التوازنات بين القوى الكبرى.
فالصحراء الغربية ليست مجرد ملف من ملفات التسوية السياسية التي يمكن أن تتغير مرجعياتها بتغير الإدارات الأمريكية أو التحالفات الدولية، وإنما قضية شعب لم يمارس بعد حقه في تقرير المصير.
سابعاً: الجمعية العامة للأمم المتحدة.. فضاء لا ينبغي إغفاله
إن تعثر مجلس الأمن يبرز أهمية إعادة الاعتبار لدور الجمعية العامة للأمم المتحدة، باعتبارها الهيئة التي تبنت إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة بموجب القرار 1514 لسنة 1960.
كما أن الصحراء الغربية ما زالت مدرجة ضمن الأقاليم الخاضعة للاستعمار، وتواصل الجمعية العامة تناول القضية في إطار مسؤولية الأمم المتحدة عن استكمال عملية تصفية الاستعمار.
ومن هنا، فإن استمرار هذا التصنيف يشكل مرجعية أساسية في مواجهة محاولات طمس الطبيعة القانونية للنزاع أو التعامل معه باعتباره قضية سيادة محسومة.
ولا يعني ذلك أن الجمعية العامة تستطيع ببساطة أن تحل محل مجلس الأمن في تجديد تفويض المينورسو، فلكل هيئة اختصاصاتها، وإنما يعني أن قضية الصحراء الغربية تظل حاضرة في منظومة الأمم المتحدة خارج نطاق القرارات الدورية المتعلقة بولاية البعثة.
إن ما حدث في مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026 يمثل اختباراً جديداً لمصداقية الأمم المتحدة، ويكشف حدود التوافق الدولي عندما تتعارض المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى مع مقتضيات الشرعية الدولية.
فالمينورسو أداة أممية لتنفيذ مهمة محددة، وليست صاحبة الحق في تقرير مصير الشعب الصحراوي. ومجلس الأمن هيئة سياسية دولية، وليس جهة مخولة بإلغاء الحقوق الأساسية للشعوب بفعل الانقسام أو تعذر التصويت.
والأهم أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لسنة 1975، وقرار الجمعية العامة 1514، وإدراج الصحراء الغربية ضمن الأقاليم الخاضعة للاستعمار، والمرجعية التي أنشئت بموجبها المينورسو سنة 1991، كلها عناصر تجعل القضية أكبر من مصير بعثة أو نتيجة تصويت.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في انتهاء ولاية المينورسو بحد ذاته، وإنما في أن يتحول هذا الانتهاء إلى فرصة لفرض الأمر الواقع، وإسقاط خيار الاستفتاء من الحسابات الدولية، واستبدال حق تقرير المصير بتسوية سياسية مفروضة.
وفي المقابل، فإن الرهان الأساسي أمام الشعب الصحراوي وجبهة البوليساريو يتمثل في تحويل هذه الأزمة إلى مناسبة لإعادة تدويل القضية من بوابتها الصحيحة، بوابة تصفية الاستعمار والشرعية الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
فلا يمكن أن يصبح عجز المجتمع الدولي عن تنفيذ التزاماته دليلاً على سقوط تلك الالتزامات، ولا يمكن أن تتحول سنوات الانتظار والتعطيل إلى سند قانوني لمكافأة الأمر الواقع.
قد تدخل المينورسو مرحلة الغياب أو إعادة التشكيل، وقد يتعثر مجلس الأمن في أداء دوره، لكن الصحراء الغربية ستظل قضية تصفية استعمار ما دام شعبها لم يمارس حقه في تقرير المصير، وما دامت الأمم المتحدة لم تستكمل مسؤوليتها التاريخية والقانونية تجاه هذا الإقليم.
